الشيخ الجيلالي امتيرد

Publié le par جمعية هواة الملحون

 الشيخ الجيلالي امتيرد

 

ينتسب الشيخ امتيرد  إلى منطقة الغرفة من امسيفي في جهة تافيلالت الواقعة جنوب شرق المغرب، إلا أنه ولد ونشأ في مراكش حيث كان له دكان لبيع الخضر في "رياض لَعْروس" أو غيرها من أسواق الخضر.  

وعلى الرغم من أن تاريخ ولادته ووفاته غير محدد، فمن المعروف أنه في عهد السلطان محمد بن عبد الله كان قد برز باعتباره شاعراً كبيراً مجدداً. وهو ما يكشفه قوله في قصيدة "الحراز" التي يورد فيها من الصفات التي تنكر بها ليصل إلى محبوبته صفة "امْخزني" لهذا السلطان:

من ساعتي ارجعت امخزني مشمور امن اصحاب الملك

الله ينصر سيدي محمد

ويبدو أنه عمر طويلا حتى أدرك بداية النصف الثاني من القرن الثالث عشر الهجري، إذ توفي في أواسط سلطنة مولاي عبد الرحمن ودفن بمقبرة سيدي علي أبي القاسم بجوار مسجد الكتبية تحت منارته، من غير تحديد لقبره.

وفي تعليل تلقيبه بـ "امتيرد" تصغيرا لـ "مترد" بقول بعض الأشياخ إن السبب فيها ضعف بنيته ونحالة جسمه، ويقول آخرون إن هذا اللقب أطلق عليه استخفافاً بمكانته الشعرية البسيطة أول ظهوره في الميدان، ويعزون تفتح موهبته رغم أميته إلى دعاء لأحد الشرفاء الوزانيين أو الشرقاويين كان سبب الفتح عليه إذ سأله عن اسمه، وحين أجاب بـ: "امتيرد" أجابه الشريف: "بل أنت مترد". ويعتمدون في هذا التعليل على قصيدته: "الداوي" التي حربتها:

 

الداوي مالك داوي

بالوصال اجراحي داوي

ما ابْرا جرح ابغير ادوا

مع التنبيه إلى الاعتراف الوارد آخر قسم منها حيث يقول مشيراً إلى ما نهله من الزاوية الشرقاوية:

رايس القرصان اسلاوي

سـرْ لمواهب شرقاوي

اسقاوني سـادتي سقْوا

ويحكى أن السلطان عبد الحفيظ، كان إذا ذكر الشيخ امتيرد في مجلسه يقول: "بل هو مترد امعمر بالتريد". وهي قولة دالة على مكانة هذا الشاعر حتى بعد عصره، يعززها ما يروى عن التهامي المدغري الذي شهد له بالتفوق، معترفاً بأنه لو أدركه لحمل نعله "بلغته"، بل زاد فأكد أنه لو تسنى له أن يعاصره ويلقاه لكان عبداً له:

لو كان احضرت لامتيـرد

كنت انكون لو عبد اشويرد

ولا عجب أن يكون بهذا وغيره "شيخ الأشياخ" في عصره، وأن يعتبر في مراكش: "الفاكْية دالشياخ" أي فاكهتهم، وفي فاس "عرصت لشياخ" أي روضهم. وبلغ من تأثير قصائده على الجماهير، أن المنشدين أطلقوا عليها: "الشَّعَّالة" للجوئهم إليها في تحريك السامعين وإثارة انتباههم إذا ما أحسوا منهم ضيقاً وعدم التجاوب مع ما ينشدون. بل إن الشعراء أنفسهم كانوا منها يستلهمون. وهو ما أعرب عنه التهامي المدغري في هذا البيت الذي يصرح فيه بأن الشيخ امتيرد هو جواز مروره وفاتح الطريق له:

إذا ما خلفت شي اعلى العتبا         دا الشيخ الجيلالي ما ندوز شي

وما ذكرته قبل أسطر من أن امتيرد كان أول من توسل بـ "التعريجة" في الأداء، يرتبط في ذهن العامة بحكاية أسطورية ساقها المرحوم الفاسي تزعم أن الشاعر: "كان يذهب في كل عشية مفرداً لزيارة صهريج ابن الحداد وهو بستان خارج مراكش من باب الخميس. وهذا الموضع مخيف متوحش فيه مياه راكدة ونباتات وحشية، وفي الماء كثير من الضفادع، ولا يقصده أحد إلى يومنا هذا. وكان الجيلالي يجلس هناك للتفكير والاعتبار، فخرجت له ذات يوم ضفدعة وكلمته وقالت له: يا شيخ إنني أريد أن أعرس وأرجو منك أن تحضر عرسنا وتغني لنا، فأجابها: نعم، وطلب منها تعيين الوقت، فقالت له: في اليوم الفلاني في الساعة الفلانية آت إلى هذا المحل. ففعل، ولما حضر في الساعة المعينة رأى نفسه في دار عرس، فقدموا له آلة لم يكن له عهد بها قبل ذلك، وطلبوا منه أن يغني لهم قرب الصهريج، وبيده تعريجة. فرجع إلى المدينة وحكى للناس ما وقع له. ومن ذلك الحين صار يأتي بالمعجز من القول بعطاء من الجنة. وتظن العامة أنه لم يُغن بالتعريجة من قبل، وهذه اختراع من الجنة".

وبعيداً عن التعليل الأسطوري لموهبة الشاعر امتيرد، فإن الناظر في قصائده ينتهي دون أدنى شك إلى أنه صاحب إبداع، إذ نظم على نحو لم يكن معروفاً وبما لم يكن مألوفاً بين الأشياخ المعاصرين له والسابقين عليه. وهو بهذا التجاوز للمتداول والشائع يعتبر مجدداً في الملحون، ولا سيما بما ابتكره سواء من حيث الشكل أو المضمون، انطلاقاً من قدرته الفنية وما أتاحت له من تعبير عما يختلج في نفسه ونفوس متلقيه. وهو تعبير يتسم بالروعة والجمال، وبأسلوب يلتقي فيه الطبع بالصناعة وبالرواية، في غير تكلف أو تثقف.

وفي دراستي المشار إليها قبل، كنت قد ذكرت من جملة أولياته في الشكل إضافته للبحر المثنى وزنا جعل فيه الصدر (الفراش) أطول من العجز (الغطا)، وكذا نظمه على بحر "السوسي" الذي بدا أنسب لقصائد الحوار التي كان له فضل تطويرها، وكانت قد بدأت مع الشيخ حماد الحمري. وفي مجال السبق يذكر له نظم "السرابة" التي يقدم بها للقصيدة عند الإنشاد.

أما في المضمون فأرى أنه أول من نظم في الخمريات وفي الشمعة والخلخال والحراز والضيف والفصادة والخصام والقاضي، وإن كانت قصائده في بعض هذه الأغراض لم تكتب لها شهرة التداول بالقياس إلى ما جاء عند غيره في موضوعها بعد.

المصدر: ديوان الشيخ الجيلالي امتيرد - موسوعة الملحون - مطبوعات اكادمية المملكة المغربية - ص 32

 

Commenter cet article