تقديم ديوان الشيخ عبد العزيز الغراوي ج1

Publié le par جمعية هواة الملحون

مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية

سلسلة التراث

موسوعة الملحون

 

 

ديوان

الشيخ عبد العزيز المغراوي

 

 

تقديم الدكتور عباس الجراري

الجزء الأول

 

بسم الله الرحمن الرحيم

إن كل متتبع للتراث الشعري العربي – قديمه وحديثه – لا يلبث أن يلاحظ أن "الملحون" يمثل أحد الأشكال التي تفنن المغاربة في إبداعها – ولا يزالون – متوسلين بلغة غير معربَة، وإن كانت في معجمها "العامي" تحاول أن تبتعد قليلاً عن اللسان الدارج المتداول، وأن تقتبس بعض ما يجعلها تقترب من اللغة المدرسية ؛ مع التصرف في الصيغ واعتماد جوانب بلاغية، والارتقاء بفنية الأسلوب.

ونرجح أن يكون سبب هذه التسمية راجعاً إلى "اللحن" بمعنى الخلو من الإعراب أو عدم الالتزام به، وليس بمعناه الدال على التنغيم للتغني والتطريب، كما سنبين فيما بعد لدا الحديث عن الطريقة التي كان يؤدى بها لأول نشأته.

وقد أطلقت على هذا الفن أسماء كثيرة دالة في معظمها على جانبه الإبداعي، مثل "الموهوب" و"السّْجية" و"الشـعر" و"النظـم أو النّْظام" و"القريض" و"لوزان" و"اللّْغا" و"العلم الرقيق" و"الـﮔريحة". ولعل أبرزها جميعاً مصطلح "لَكْلام" الدال بقوة على عدم التَّغني، لا سيما حين يميز بينه وبين مصطلح "الآلة" الذي يقصد به التوقيع اللحني المصاحب بالآلات الموسيقية أو "لمَّاعن"، والذي ارتبطت تسميته بالموسيقى الأندلسية التي تشكل مع الملحون أبرز الأجناس الفنية بالمغرب.

كما نرجح أن تكون الأُصول التي انطلق منها هي الأغاني والمرددات الشعبية المحلية، وإن تأثر فيما بعد – وهو يطور نفسه – بالأزجال والموشحات الأندلسية، وكذا بالقصيدة العربية، وبشعر العرب الوافدين إلى المغرب، ثم بـ "عروض البلد" الذي ظهر في الأمصار ؛ وهو قريب من الموشح.

وإذا كنا نربط "الملحون" بالأزجال، فلاعتبارنا أن الزجل في أصل استعماله الأدبي يطلق على الشعر الشعبي، قبل أن يرتبط بما أنتجه أبو بكر بن قزمان من أزجال أندلسية. وغير خاف أنه عاد اليوم ليطلق عند العرب على كل شعر يبدع باللغة العامية، ولا سيما مقطوعاته القصيرة القابلة للتلحين والغناء ؛ إلى جانب احتفاظه بمدلوله الأندلسي. وغير خاف كذلك أن المغاربة وضعوا لشعرهم تسميات كثيرة هي التي أشرنا إليها، ومن بينها "الملحون". على أني يوم كتبت أطروحتي عن هذا الفن جعلت لها عنواناً رئيسياً هو "الزجل في المغرب"، ثم عنواناً فرعياً هو "القصيدة"، على اعتبار أن الزجل في مفهومه الذي شرحت يبقى أوسع وأشمل.

** ** **

  في هذه الفترات المبكرة يشار إلى شعراء كابن غرلة، وعبد المومن الموحدي، وأخته رميلة، وميمون بن خبازة، ومحمد بن حسون، وابن سبعين، وابن شجاع التازي، والكفيف الزرهوني، والمنصور الأعمى.

ولعل أقدم شيخ معروف عند حفاظ الملحون هو مولاي الشاد الذي عاش في القرن التاسع الهجري بتافيلالت، حيث ظهر بنمط شعري عرف يومئذ بـ"كانْ حتى كانْ". وهي تسمية معبرة عن تداوله الشفوي كأحد فنون القول، مع الإشارة إلى أن الكتابة جاءت متأخرة على يد غير العوام. وذلكم ما يزيد في توضيح التسمية بـ"لَكْلام" الواردة قبل.

ولتقديم نموذج لنظم هذا الشاعر، نسوق الأبيات التالية:

لا تْقولوشي يا حسْرا اعْلى ازْمان
مـا حـدّْ اكْتـاب الله فالصّْـــدور
ما قاطْعِين يـاسْ من رحمـة الله
فـــاشْ جَــا ذنـب المخلـوقيــن

 

الخير والشر افْكُل ازْمان كايْنين
اعْـــلاه نبكــيــــوْا اعـــــــلاه
واحبيبنــا الشـافـع رسـول الله
عـنـــد واســـــع الغـفــــــران

وبحكم طبيعة هذا "الكلام"، فقد وقع الاهتمام بمن يحفظه ليسرده في الزوايا والمساجد ؛ وكان يطلق عليه "الحفَّاظ". ولإبراز أهميته شاع عند المعتنين أن "السَّجَّاي تَيَوْلَدْ والحفَّاظ تَيْرَبِّي" ؛ أي أن الشاعر يلد والحفاظ يربي.

وعلى الرغم من أن هذه القراءة كانت تقوم على السَّرد أو "السّْرادة"، فإنها لم تكن تخلو من التمطيط والضغط على الحروف، مما يعطيها بعض التوقيع. ثم لم تلبث هذه المرحلة أن أفضت إلى الإنشاد المنغم والموقع، فأُطلق على المنشد "شيخ لـﮔريحة" و"شيخ النّْشاد"، موازاة مع "شيخ السّْيجة" و"شيخ النّْظام"، والمقصود بهما الشاعر.

وقد ارتبط الإنشاد في هذه الفترة بالنقر على "التّْعريجة" أو "لَـﮔْوال"، ثم لم يلبث في مرحلة لاحقة أن غدا يُصاحَب بالعزف على الآلات الموسيقية. وذلكم بعد أن تطورت مضامين الملحون ولم تعد مقتصرة على المواعظ، ومسها تنوع كبير كان الغزل في طليعته ؛ وكذا بعد أن عُرفت "نوبات الآلة" التي وفدت من الأندلس، بحكم التواصل الذي كان للمغرب معها على عهد الوحدة، ثم على إثر الهجرات التي توجهت إليه بعد عملية الاسترجاع.

وهكذا ظهر ما أُطلِق عليه "لوزان" الذي كان من أوائل نصوصه – إن لم يكن أولها – ما صدر عن عبد الله بن احساين الذي ينتمي كسابقه إلى تافيلالت وإلى القرن نفسه. وقد جاءت فيه الإشارة إلى "لوزان" و"كان حتى كان"، وكذا إلى تسميات أخرى. وفيه يقول:

نبدا باسم الله انْظامي يا للِّي ابْغــا "لــوزان"

لوزان خِير لي أنايا من قُول "كان حتى كان"

ربي الْهمني نمدح خِير لشْـــراف يا لَخْـــوان

بـ"الشعر السّْليس" الفايز هو ايْكون لي عــوَّان

حتى انْقول ما قالوا عشاق النّْبي افكل ازْمــان

وانْكون "افْلَقريض الملحون" أنا المادْحو حسَّان

مدَّاح مادْحو بَلْساني والشـوق له مَن لَكْنــــان

والمادْحُو ابْقلب اكْنانو يرضاه ما عْيَا بلْســــان

ويبدو أن نص الملحون بدأ يكتمل ليأخذ شكل "القصيدة" أو "لقْصيدْ"، وتجمع على "اقْصايد" و"قصْدان".

هذا وقد جاء نص ابن احساين غنياً بملامح التطور الذي عرفه الملحون على يده. وهي ملامح سرعان ما أصبحت تقاليد يسلكها جميع شعراء الملحون. وتتمثل في البسملة التي استهل بها، ثم في التصريح بالاسم والمكان، على حد قوله في آخر مقطوعته:

واسْمى افْلامْتي عبد الله بن احساين الـوَزَّان

أَسايْلين عِنِّي فاضْرَا عاصي ومعدن النقصـان

وهو في الختام يؤرخ لقصيدته، في فخر بنفسه وهجاء خصومه بأنهم مجرد تلاميذ له، وهو مُعلمهم وفقيههم:

تارِيخ حلّْتي "رحْل" عدَّ ازْمانها افكل ازْمان

والقايلين ﮔـاع "امحضْرا" ونَا فْقيههــم وزَّان

وواضح وفق حساب الجمل، أن التاريخ هو ثلاثون وثمانمائة، إذ الراء بمائتين، والحاء بستمائة، واللام بثلاثين.

وما كان له أن يختم قبل أن يهدي السلام والتصلية على هذا النحو:

واتْمام ما نْظمت الْسيدي من ذا العْقيق والعقيان

حلاَّ امْوَصّْلاَ للمـاحي ما ناح طير علْ لَغْصان

واسْلام ربّْنا للشّـرفا اوْهَـل لَهْدَا افكلّ امْكـــان

والناظمين عن "ميزاني" واللِّي ايْزيد لُو "ميزان"

  وإذا كان ابن احساين قد سبق بهذا النص إلى النظم على البحر "المثنى" الذي هو شبيه بما عليه البيت في الشعر العربي القائم على الصدر والعجز، أو ما أطلق عليه أشياخ الملحون: "الفراش" و"الغطا"، فإنه لم يلبث أن نظم على بحر يكون البيت فيه مكونا من ثلاثة أشطار، وفق ما جاءت عليه قصيدته "اللقمانية" التي يقول في أولها:

يا راسِي نوصِيك كيف وصَّى ولْدُو لقمان

وانْتَ تَصْغَا كِيف ما صْغا ولْدُو لَبْيانِــي

واتْوَصِّى بوصايْتـي المرْوِيا قـوم اخْريــن

** ** **

من هنا فُتح الباب للعديد من الأوزان التي قال فيها تلاميذه ومن جاء بعدَهم، من الذين طوروا الأداء كما طوروا المضامين، على حد ما سنرى بعد. وكان تلميذه الحاج اعْمارة قد وضع أسهل أوزان "المثنى" في قصيدة "الحجة" التي يقول في حربتها:

يا لْحضْرا قُولُوا بالسَّر ولَجْهار             الصّْلا والسَّلام اعْلى النبي المختار

وهو ميزان أطلقوا عليه "لَمْشَرْﮔِـي" أي المشرقي، إيحاءً بموضوع القصيدة الذي هو الحج إلى البقاع المقدسة في المشرق. كما أطلقوا عليه "لحْويَّط لْقصير" باعتباره أسهل أوزان المثنى. وهي تسمية شبيهة بما يوصف به الرجز الذي يسمى "حِمار الشعراء".

وفي هذا التوجه التطوري، كان ابنه وتلميذه محمد بن عبد الله بن احساين سباقا إلى النظم على البحر الرباعي (المربوع)، والخماسي (خامَسْ لشْطار).

فعلى الرباعي جاءت قصيدته المدحية التي أولها:

صلَّى الله امْع امْلايْكو علْ لَحْبيب الساري

وامَرْ هـلْ لِيـمـان افلبْشــر

بصلاة الهادي امْع اسْلامو فَايَات اسْــوارُو

صلــى الله اعْليـه وافْـــرا

وعلى الخماسي نظم قصيدة "طامو" التي "حربتها" أي لازمتها التي واضح فيها ما لجأ إليه من جناس "تجنيس" أداره على اسم محبوبته:

قالت يَمَّا اتْقول طَامُو     قلت وأَبيك يَا لطَّــام

يا قدّْ اعْلام فاللّْطـــام      قالت تَرَا ايْقول طاما

تَاراتْ ايقول فاطما

وذكر "الحربة" – أي اللازمة التي بها تُعرف القصيدة – يستدعي الإشارة إلى الشاعر حماد الحمري الذي كان سباقا إليها، بحكم تقسيمه القصيدة إلى مقاطع تحتاج إلى أن يفرق بينها. وهو ما يتضح من "ربيعيته" التي تتكون من تسعة أقسام، والتي جاءت حربتها التي نكتفي بذكرها على هذا النحو:

الوردْ والزّْهر واغْصانو واشْجار باسْقا واطْيار

ايْسبّْحو النعْم الغنِي والْما افْقلبْ كل اغْدير

  وكان لا بد لمثل هذا التطوير أن يصاحبه وضع مصطلحات دالّة. فبالإضافة إلى "التبييت" و"الفراش" و"الغطا" التي سبقت الإشارة إليها، فإنهم أطلقوا "الميزان" على البحر، و"القياس" على الوزن، و"الحرف" على القافية، و"الصّْروف" على التفعيلة.

ورغبة في تحديد هذه "الصّْروف" فقد ظهرت محاولتان:

الأولى نادى بها عبد العزيز المغراوي الذي هو صاحب هذا الديوان الذي نحن بصدد التقديم له. وهو كذلك من تافيلالت، وينتمي للقرن الحادي عشر الهجري. وكان لمكانته المتميزة ينعت بـ "شيخ لشياخ"، و"شجرة لكلام". وتقوم محاولته في ضبط التفعيلة على "الدندنة" أي "دانْ دانِي" باعتبارها مقياساً موسيقياً يقوم على الإيقاع لضبط التفعيلة، وفق ما يمكن تطبيقه على "حربة" قصيدة "المزيان" لقدور العلمي:

حَنّْ واشْفق واعْطَفْ بَرْضاك يا لمزيان

لا اسْماحَا ميعادَ الله يَـــا لهـاجــَـر

دانْ دانِي يـا دانِي دانْ دانْ يـا دَانْ

دانْ داني يا داني دانْ دانْ دانــــي

والثانية دعا إليها المصمودي الذي هو من القرن نفسه، وكان يعيش بعد المغراوي بقليل، ويعتبر عميد الفن بعده، إلى حد قيل: "المغراوي شجرة لكلام والمصمودي فرع من فروعها". وتقوم دعوته على "مالي مالي ..." التي نمثل بتطبيقها على هذا البيت من "وردة" ابن سليمان:

لا تْلوموني في ذا الحالْ جِيتْ نَشْهدَه وانْوَدِّي

يـا عْدُولــي فالـمـوت اسْبـابي خـدّْ الــــوَرْدا

لَلاَّ يـــا مُـولاتـــي لَلاَّ ويَــا مـالِي مـالِـــي

للاَّ يــا مُـولاتــــي للاَّ ويَــا مالــي مالـــي

** ** **

في سياق هذه المحاولات التقنية – وهي ما تزال في بدايتها – لم يكن مستغرباً أن يظهر من يرفض قيود الوزن والقافية. وذلكم ما قام به ادريس لمريني الذي كان معاصراً لمحمد ابن احساين، إذ قال في أبيات تكشف ثورته الواضحة على هذه القيود:

أنا ابْغيت نَنظَم و"الحرف" ابْدا ايْغور

اعْلاه ما يْكون الشعر ابْلا "حرف"

غير حسّْ اوقُول الكَلْمات

ولوْدَن تسمعْ ما قلْتِي

ولقلوبْ اتْغنِّي بَغْناك

تَابْعا تلْديد المعنى

ولا اعْنات ابْشي "قافيات"

....

لاشْ نحبَسْ فكْري فـ"الحرف"

ونحبس عقلي فـ: "التبييت"

ولفْكار اتْماثَل لَطْيور

ما رْضات اقْفر من "لَبْيات"

جايب اسْلُوكو من "لحروف"

والرّْكايَزْ من "لقْياسات"

ومع ذلك، فقد استمر تطوير الأوزان والبحور على يد شعراء كبار، ومنهم الجيلالي امتيرد الفيلالي الأصل، وكان يعيش في أواخر القرن الثاني عشر الهجري وأوائل الثالث عشر. ولمكانته أطلق عليه "الفـاكْية د الشّْياخ" أي فاكهتهم، و"عرصَتْ لشياخ" أي روضهم. وقامت محاولته التطويرية على جعل "فراش" البيت أطول من "الغطاء". وهو ما جاءت عليه قصيدته "الساقي" التي حربتها:           

ألسَّاقي وﮔَّضْ لَرْيام ردّْ بالك النُّوبا لا تْغيب عن مُولاها

كبّْ يالساقي راح اللِّيل

ولم يكتف امتيرد بذلك، إذ أضاف بحراً جديداً أطلق عليه "السوسي" برز به في قصيدته "الحرَّاز" التي حربتها:

حرَّاز لَلاََّ لَرْسَامُو جِيتُو انْصيبْ قَلْبُو نَصْراني

كيف عارْفُو ما زال

وفي هذا البحر الذي يعرف عند بعض الأشياخ بـ"المزلوﮒ"، ومعناه الخيط الرقيق، تتكون القصيدة من أقسام، كل قسم منها يشتمل على:

1)    بيت من شطرين

2)    أشطار مرسلة

3)    بيتين

4)    حربة على قياسهما

وتتجلى ميزة هذا البحر في أنه مناسب للقصائد الحوارية.

** ** **

ومن التطورات التي عرفتها القصيدة الملحونة كذلك، ظهور بحرين جديدين:

أولهما: "مكسور الجناح"، وقد سبق إليه محمد بن علي العمراني المكنى "ولد ارزين"، الذي ولد بتافيلالت، ثم انتقل إلى فاس للدراسة والإقامة حتى غدا أعظم شعرائها، ولقب بـ "المعلم" قبل وفاته سنة سبع وثلاثين ومائتين وألف للهجرة، الموافقة عام اثنين وعشرين وثمانمائة وألف للميلاد، وقد تجاوز الثمانين.

وتتكون القصيدة في هذا البحر من أقسام، كل منها يشتمل على ثلاثة أجزاء:

1)    الدخول، وهو شطر يتيم، منه كانت التسمية

2)    مجموعة أشطار حرة أطلقوا عليها "لَمْطِيلْعَات" أو "لَكْراسا"

3)    البيت، ويكون على قياس "الحربة".

ومن الأمثلة عليه قصيدته الشهيرة بـ "المزيان" ؛ ونكتفي بذكر حربتها التي تقول:

لِيَا قـال المزيــــان

وَصَّفْ هذا الحسن يا للِّي تهواني

قلت يا دابَل لَشْفـار

توصَافـك لا يحْصـار

والثاني: بحر "المشتب" الذي يتكون القسم فيه من بيت يفصل بين أول أشطاره وبقيتها بمجموعة من الأشطار "لمطيلعات"، وكأن البيت مَحشُوٌّ بها ؛ إذ الشتب هو الحشو. وكمثال عليه، نسوق هذا القسم من قصيدة "التوبة" لأحد تلاميذ ابن علي، وهو محمد بن سليمان الفاسي الذي اشتهر بالتعبير عن معاناة المرض الذي عجل بوفاته. وفيه يقول:

أول البيت:        ما فيها ما يبقى

لمطيلعات:        غِير نَعْم الباقي

                     يا غْفيلْ مَا لكْ شاقي

                     لاَيَنْ تَاتْزيدْ احْماقِي

                     وِينْ مَن غَرَّتهم بالمال والنصر

                     ما فازوا غير ابْلقْبَر

                     ما نْفعهم فيها تَدبيرْ

                     آسْعادتْ مَنْ دَار الخير

                     نالْ سلْوان

                     واعْليه ما صْعاب هَانْ

  بقية البيت:               وَانْتَ ارْمِتْنِي لَهْلاكي في ذ الاسْواق

                              نَلْحقْها مَخْليَّا

                             اوْلا وجدت اعمارا

وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض الأشياخ لا يعتبرون "المشتب" ولا تروقهم حتى تسميته، ويرون أنه لا بحر بعد "المبيت" إلا "السوسي" و"مكسور الجناح".

والحق أنه بهذا النوع من التطور في البحور والأوزان، مما لم يعرفه الشعر المعرب، كثرت القصائد حتى قيل إن "الحافظ لألف وزن فشلان"، مثلما قيل عن "صاحب ألف وزن ليس بزجال".

** ** **

وقد رافق هذا التطور تطور آخر تجلى في أساليب التفنن في التعبير، في نظر إلى ما هو معروف في الأدب العربي ومحاولة محاكاته. ونشير منها إلى ما يلي:

أولاً: "التجنيس" أي الجناس. وقد برع فيه أحمد الـﮔندوز الرباطي الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الهجري، وامتد به العمر حتى أوائل الرابع عشر. يتضح ذلك من قصيدته "غاسق لنجال" التي يقول في أول أقسامها:

بَجْفاك عمْدَا لي عدت انْحيل

ما شْفك تَعذابي اوْلا امْحاني

سيف لجْفَا امْحانِي

لَعْبَادْ لاَمْحانِي

فامحاني الأولى جمع محنة، والثانية من المحو، والثالثة من اللمح.

وقد اشتهر كذلك في النظم على أسلوب "التضمين" الذي سنشير إليه بعد، حتى اعتبر عند الأشياخ "رايَس التضمين والتجنيس".

ثانياً: "التضمين" أو "التلزيم"، والمقصود به لزوم ما لا يلزم. وقد ذاع فيه إلى جانب الـﮔندوز، صيت الشاعر الفاسي أحمد الغرابلي المتوفى عام أربعين وثلاثمائة وألف للهجرة ؛ على نحو ما تكشف قصيدته "مـالكة" التي التزم فيها حرفي الكاف واللام ؛ وفي حربتها يقول:

أرَايَتْ لَمْلاَكا

يا مولاتي المالْكَا

لِك العبد او كُلّْ ما مْلَكْ

انت مالِكة احمايَتْ الملك

ثالثاً: "النشب"، ويقضى باستهلال البيت بكلمة أو شطر من البيت السابق، ويطلق على الأجزاء المنشوبة: "لَمْطَارش". وقد يتم ذلك مباشرة على حد قول أحمد الغرابلي في قصيدته "عين الرحمة" التي منها قوله:

أَعِين الرَّحْمـا الـرَّاحْمَا يا قرَّت لَنْيَام

يا قرَّت لنْيام جُدْ لي يا بحر التعظيـم

يا بحر التعظيم والفَضْل يا عين الرحْما

وقد يكون بين كلمتين أو شطرين على شكل غير مباشر، كما في "فَارْحا" للتهامي المدغري الذي يعد عميد شعراء الملحون. وفي ثاني أقسامها يقول:

رَفْدِي يا لـــلاَّ الطَّايَــحْ         بهْواك اعْيَا ابْقُولـت أَحْ

ما بين الهِيضْ والنُّـواح        سَرُّو بِينْ لَحْسُودْ بَايَــحْ

ﮔُـدَّامَــكْ يَــا الْمالْحَــا

سَرُّو بِين لَحسودْ بَايَـحْ         يا كنْز الكنْـــز والرّْبــاح

يــا رُوح الرُّوحْ والنّْجاح      يَا دَامِي فَالفْجوجْ سايَحْ

بِـيـن ازْهــارُو اللاَّقْحَــا

يَا دَامِي فَالفْجوجْ سايح        كَمَّــنْ مغْـرومْ بِك ســاحْ

حسّْ الخلخال به صاحْ        صاحَ الخلخال والدّْواوح

في تَحيــاحْ لَمْـﮔـابْحَـــا

ولا شك أن قارئ هذا النص يلاحظ أنه جاء على قافية الحاء التي كان المدغري ولوعاً بها، إلى حد وصف بأنه "حَيَّاح الحا". وحين سئل عن ذلك أجاب بأن حرف الحاء هو أكثر الحروف تعبيراً عن المشاعر، لأن الإنسان إذا التذ قال "أَح"، وإذا تألم قال كذلك: "أَحْ".

وإلى جانب هذه الأساليب التي لجأ إليها أشياخ الملحون لتجميل شعرهم وتنميقه و"تزويقه" كما يقولون، فقد شاع عندهم استمداد القافية من موضوع القصيدة. فقصائد المحبوبات غالباً ما تكون قافيتها هي آخر حرف في أسمائهن ؛ وإن لم تكن كذلك فهي "صيَّادية".

كذلك تجنبوا حرف الهمزة في القافية، واعتبروا استعمالها "بَرْصاً". ولعل من بين القصائد القليلة التي جاءت كذلك، قصيدة للحاج الجيلالي الشبابي من سلا، قالها سنة خمس وستين وتسعمائة وألف، في تهنئة جلالة الملك المرحوم الحسن الثاني بميلاد سمو الأميرة للا أسماء ؛ وفي حربتها يقول:

بنْت اهمامْ الشعب سِيدْنا حسَن الأسماء

الأميــرة أَسْــمــاء

مُنَاي امْعَ ارْجَائِي

قُرة عِين احْبِيبْنــا  وراحَتْ لَقْلوب امْلاَما

ومثلها قصائد لعبد الحميد العلوي وحسن اليعقوبي من سلا في نفس المناسبة.

ثم إنهم قسموا الكلام إلى مستويات جعلوها على هذا النحو:

1)    "اكْلام بالَغ" = بليغ.

2)    "اكْلام امْرصَّع" = مرصع ومنمق وجميل.

3)    "اكْلام ابْيض" = بسيط وواضح.

4)    "اكْلام اكْحل" = غامض ومعقد وصعب.

5)    "اكْلام امْسَلَّس" = مستقيم لا كسر في ميزانه.

كما أنهم اعتبروا استعمال الكلمات المعربة الفصيحة عيباً أطلقوا عليه "البرص".

بالإضافة إلى هذه التقنينات، فرقوا في السجية بين درجات ثلاثة:

1-    "المنقول" ويتمثل في اعتماد الروايات الواردة في الكتب، على نحو ما يلجأ إليه في نظم المدائح النبوية.

2-    "الهيض" ويعني وصف الواقع.

3-    "الغيظ" ويتجلى في نقل الأحاسيس والانفعالات.

وفرقوا كذلك بين:

1-    "السَّجَّاي" وهو الذي يقول شعراً فيه عواطف وأفكار.

2-    "الوهْبي" وهو القادر على النظم بدون أحاسيس ولا أفكار.

كما فرقوا بين:

1-    "السَّلاَّخ" وهو الذي يسطو على معاني غيره ويبدل الألفاظ.

2-    "المسَّاخ" وهو الذي ينتحل شعر غيره ويحاول التغيير فيه.

وما كان لهذا التقنين وذاك التفنن أن يهمل أساليب الأداء، فاعتبروا براعة المنشد في أنه:

1-    "ايْركَّب"، أي أن يأتي بقصيدة إثر قصيدة منشد آخر وعلى نفس ميزانها.

2-    "ايْفَجَّج"، أي أن يستعرض عدة نغمات في قصيدة واحدة، وإلا فهو يغني "اعْلى جَنْب واحَد". أما من يتقنه فيقال إن ميزانه "انْفَق" وإلا فهو يأتي به "امْصوَّر".

** ** **

  وللتوفيق بين الشعر من حيث هو لغة، وبين الأداء من حيث اعتماده على النغم واللحن، فإن المنشد قد يضطر إلى بعض التعديـلات الصوتية في نطق الكلمات ؛ كما يضطر إلى إضافات لفظية لضبط الميزان، أطلقوا عليها: "التشحيرة" و"الترتيحة"، مما "يُشدُّ" به الميزان و"يقبض"، والذين يقومون به هم "الشَّدَّادَا".

ومثال ما يُشدُّ به الميزان قولهم:

يا سيدنا

أَسيدْنا أَسيدنا

يا للاَّ يا للاَّ

دادا امِّي أَللاَّ هْيَا لَلاَّ

فمثلاً في قصيدة "اعْشِيَّت الجمعا" للتهامي المدغري، تأتي الحربة وما يتخلل أشطارها لضبط الميزان على هذا النحو:

أنا اعِشيَّت الجَّمعا شاب اشبابي           يا للاَّ يا للاَّ

هلكتنــي عـــزْبـــا وشابَّــــــــا             يا للاَّ يا للاَّ

مَن شاهَدهُــــم يَسْخَا بَشْبابــــو            يا للاَّ يا للاَّ

وزيادة في إضفاء جو نغمي على القصيدة وضبط ميزانها، جعلوا مقدمات لحنية أطلقوا عليها "السَّرَّابة"، وتجمع على "اسْرَارَب". وقالوا: "من لا يَوْزَن بسْرَارَبْ ميزانو يبقى عايَبْ". وهي عبارة عن قطعة قصيرة تكون في نفس البحر، وتتكون من:

1-    أبيات تمهيدية تُسمى "الدّْخول".

2-    "ناعورة" وهي أبيات قصيرة نادراً ما تكون أكثر من ثلاثة.

3-    بقية الأبيات

4-    "الرَّدْمَة" وهي الشطر الذي يختم به ؛ ويكون فاصلاً بين السرابة والقصيدة.

والسرابة من حيث إنشادها أنواع أربعة:

1)    "المزلوﮒ" : وتكون رقيقة حادة.

2)    "الـﮔبَّاحي" : وهي التي يصاحبها ضرب قوي ومتواصل بالأكف، وتكاد أغلب السرارب اليوم تكون من هذا النوع.

3)    "الحَضَّاري" وتنشد في استرسال سريع.

4)    "السَّماوي" وهي التي يستهل إنشادها ببطء كالموال، ثم يأخذ صوت المنشد في الارتفاع كأنه يصعد إلى السماء. ويطلق على هذا النوع كذلك "السرارب الحسناويين".

وقد ضعف نظم "السرابة" اليوم، إضافة إلى الخلط الذي يقع فيه المنشدون حين ينشدون "سرابة" قصيدة لغيرها، حتى ولو لم تكن منسجمة معها في الموضوع.

هذا ويلاحظ ضياع كثير من "السرارب"، كما يلاحظ نسبتها لغير أصحابها، أو إنشادها دون معرفتهم. وهو ما يطلق عليه "اسْراربْ احْراميين".

وأول من وصلتنا سراريبه، هو الشيخ الجيلالي امتيرد الذي سبق ذكره، ومن أشهرها:

اعلاش أَمحبوب خَاطْري تجفينــي    أَلجافينـــي واعْـــلاش دالْجفـــا

جِيتَكْ مَن خاطْري ولا ردِّتينــــــي   كاتْمنِّينــي يــا شَــــارَدْ لعْفَــــــا

خَالفْــتِ فالقُول بــــاشْ وعَدْتِنِــي    ولا وصلْت الْرسْمِي قَاسِيتْ ما كْفَا

قالـــت نـــاس الشـعـر والقوافـــي    الزِّين ابْلاتِيهْ صُورتُـــو تعْـــداف

والخِير صاحْبُو يعرف

وكما قد يبدأون بـ "السرابة" فكذلك قد يجعلون "موَّالاً" أو "تمْويلة" يقدمون بها للقصيدة. وكمثال على ذلك، نسوق تمويلة لقصيدة ابن سليمان التي حربتها:

يا راسِــي لا تشْقَــــى

أَلتَّاعبْ لا بدّْ من لَفْراق

لا تَـــامَـــنْ فالــدنيــا

ابْناسْهـــا غَــــــــرَّارا  

وهذه هي التمويلة:

أَمَالي يا مالي

للا يا مولاتي للا

أمالي مَصْبَرنِي

أغْرايبي لاموني

ثم إنهم قد يختمون بـ "الدّْريدكة" التي هي - حين توجد – تتضمن ما يتضمنه القسم الأخير من القصيدة، على نحو ما سبقت الإشارة إليه.

ولم يكتفوا بهذا، بل زادوا فجعلوا مقدمات للأقسام أطلقوا عليها "انْواعَـر" و"اسْوِيرحات"، و"لكْراسا" و"العروبي". وهي غالباً ما يُبدأ بها في القسم الثاني، لأن الأول يبدأ بـ "الحربة". وهو ما لا نحتاج إلى تقديم نماذج له.

يتبع

Publié dans مقالات

Commenter cet article