تقديم ديوان الشيخ عبد العزيز الغراوي ج2

Publié le par جمعية هواة الملحون

 

مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية

سلسلة التراث

موسوعة الملحون

 

 

ديوان

الشيخ عبد العزيز المغراوي

 الجزء 2

 

تقديم الدكتور عباس الجراري

ومع هذا التطوير الذي مس الشكل والأداء، عرف المضمون كذلك تطويراً واسعاً، وذلكم ابتداء من القرن التاسع الهجري على يد تلاميذ عبد الله ابن احساين المشار إليه قبل. فعنده كانت القصيدة مقصورة على المديح النبوي وما يرتبط به من حِكم وتصليات. ثم جاء تلميذه الحمري الذي سبق ذكره، فقال في الطبيعة قصيدته الربيعية.

واللافت للنظر أن تلميذاً آخر له هو محمد بن علي بوعمرو، سبق إلى غرض لم يكن يومئذ مسموحاً بتناوله، وهو الغزل، إذ أنشأ قصيدة "زهرة" التي أطلق عليه بسببها لقب "العاشق" ؛ وحربتها:

زُوريني قَبْل اللاَّ نقْبــار

يا هْلاَل الــدَّارا زهــــرا

إلا أنها أثارت ضجة كبرى عند خصومه الذين نعتوه بالزندقة، وطالبوا برجمه وصلبه وإحراقه. وفي ذلك قال معاصره لمْراني:

زَنْديـق ابــن الزنديــق اللِّــي ايْردّْنـــا فسَّـــاق

يَسْتَاهل الرّْجِيم ابْلَحجَر حتى ايْموتْ بالتَّحقيق

وِيلا ايْموتْ يَتْصَلَّبْ عــام وُبَعْد دَلّْتُو يُحْــــراق

وَنْشَتّـتُو ارْمَادُو ونْقــول هكْــذا ابْغَــى لَعْشِيــق

إلا أنه استمر ينظم في الغزل، إذ أضاف قصيدة "عَبْلَة"، وحربتها:

ايلا اتْعذَّبْت اعْذابي من انْواجْلِي

وِيــلانـا هْنِيـت واسْعَدْنِي حَالِي

اسْبَابــي افْلَهْنَـا اغْزالــي عَبْــلا

ومع ذلك، فما كان لهذا الغرض الذي ستكون له الصدارة فيما بعد، أن يزاحم المديح النبوي الذي أحرز كيانه في هذه المرحلة على يد الجيلالي امتيرد المتحدث عنه قبل، وربيبه الحاج محمد النجار، إلى حد لقب كل منهما بـ "مدَّاح النّْبي" ؛ ثم على يد تلميذ هذا الأخير، عبد القادر بوخْريص، وهو فيلالي، إلا أنه أقام في فاس.

ثم كان أن ظهرت موضوعات جديدة سبق إلى كثير منها محمد بن علي ولد ارزين الذي مر ذكره. وهي:

1- "السُّولان" أي الألغاز والمعميات التي منها القصيدة التي يقول في حربتها:

بَسْؤَالك اسْتفْخَر يا حفّاظـــي

اوْلا ابْحال اللِّي عَارْفين سُولان

وفيها يسأل عن ماهية الشعر والمواهب كيف تتسرب للنفوس، على هذا النحو:

واسْأَل مَن ادْعاو اعْلى علْم الشعر وَلَمْواهَبْ

واعْلى اشْمَنْ اسْبيل يدخل لَجْسَام

كان لهم فالخلق ارْسامْ

قسموه الفهَّام اقسام

مَن لا يدْريهْ لا يْقولْ شاعر فالقول ايْجِيب

واللِّي داخَل بحر لهْوا ابْجهلو يلقاه اصْعيب

إِلا مَنْ وَدُّو رّْبنا الوهَّاب

واللّي ادْعا اعْليك ابْجهلُو بَالْكَ تْسْتهابُو

ما جاب عوض سولاني

أَلُو أيْعيشْ ما عاشَ المرو ولا يجيب لوزان

2 - السياسة، من خلال قصيدته "المصرية" التي تحدث فيها عن حملة نابليون على مصر، وهذه حربتها:

بَشَّار لَمْشَارَق جَانا حتّى اللَّمْغـــارَبْ

بَشَّر الإسلام بِينْ مَصْر ولاَّت الإّسلام

لِنــــا اوْ لِـــــك يـــــا مـصـــــــر

وجبت لَبْشَارا اللاَّ كيفها ابْشَــــارا

كما أنه سار على نهج المغراوي في نظم الملاحم الطويلة، مثل قصيدة "الذرة" التي جاءت في ثلاثة وستين وخمسمائة بيت، وضمنها كثيراً من معارف عصره، وأولها:

يالسَّاهي مَن نُومَك فِق سبَّح الرَّبّْ

لِمْتَـــا وَانْــتَ تَايـَهْ افْلَغْرورْ لَوَّاب

الصّْلا والسَّلام اعْلى اخْيَار لَنْسَابْ

سيدنــا محمد طه اشفيــع لعْراب

وإلى جانب هذه التطورات، عرفت القصيدة مضامين ذاتية متميزة، كما عند ابن سليمان المشار إليه في قصيدته "الطبيب" التي حربتها:

الطّْبِيبْ يَعرَفْ دَايَا والدّْوَا سُومُــو غَالِي

عَالْجُوني يَا ناسي لا نْمُوتْ مُوت الغَفْلا

  وكذا في قصيدته "الوردة" وحربتها:

لا تْلُوموني في ذا الحالْ جِيتْ نَشْهَدْ وانْودِّي

يا عْدولِي فالمُوت اسْبابي خدّْ الوَرْدَا (أو خال افْورْدا)

كذلك سيعرف الملحون استعمال الرمز في قصائد يتأمل الشاعر فيها أحوال المجتمع، وينتهي إلى توقع أشياء فيما سُمِّي بـ "الجفريات". وقد برز فيها محمد بن قاسم العميري المكناسي المتوفى في منتصف القرن الثالث عشر الهجري، ومنها لاميت التي يقول في حربتها:

ذاك الوَلْد المهْبُول                          أَصْلُو مَنْ أناضُول

الفَرْخ يَشْبَه اخْوالو

فعلى الرغم من أن الشاعر كان يعيش في عهد المولى عبد الرحمن الذي ولي عام ثمانية وثلاثين ومائتين وألف للهجرة، وتوفي سنة ست وسبعين ومائتين وألف، فقد بدا مضمون جفريته مطابقاً لما حدث بعد في عهد المولى عبد العزيز الذي دامت ولايته من إحدى عشرة وثلاثمائة وألف إلى اثنتين وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة، وكانت أمه تركية.

ومثله معاصره – تقريباً – محمد الموقت المراكشي الذي يبدو أنه كان معاصراً للعميري، والذي قال قصيدة ظهر وكأنه فيها يتنبأ بدخول الحماية عام ثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة، الموافق سنة اثنتي عشرة وتسعمائة وألف للميلاد، وهذه حربتها:

أَسَايلْني انْفِيدَكْ ابْكافَر باريز

اسْتفَدْ أُكُنْ عَايَقْ واتْبَعْ الغُرْزَا

** ** **

هذا، وسيشهد الملحون تألقه في القرن التاسع عشر الميلادي، على يد مجموعة من الشعراء الكبار ذكرنا بعضهم من قبل ؛ ولا سيما منهم شاعرين متميزين:

أولهما: عبد القادر العلمي المعروف بسيدي قدور. وهو من مكناس وأحد أوليائها      المعروفين، لما كان له من أحوال ومقامات.

اشتهر في قصائده بالحكمة والموعظة حتى لقب بـ "فيلسوف الملحون". وكانت فلسفته تسير في اتجاهين: أحدهما متشائم كقوله:

هادُو اشْروط اعْلامات التَّخْراب

عــاد النّفاق امْودَّا بِين الكُبْــرا

بَالحِيـلا والمصانْعـا ولَخْـدع عادت اخْلايق اطْبَايعهـم مقْلُوبـا

مذهبهم نَدْرِيه خمَّمت اولاد جِيلْنا ﮔَـاعْ بَعْصَا وحْدَا امَضْرُوبا

والثاني متفائل على حد قوله في قصيدة "الدار"، مبينا أن الحياة لا تخلو من الحلاوة والمرارة:

يوم اشْلوق اوْ يُـومْ زَقُّـــوم      اوْ يومْ مسْتَعْدل بِين الطِّيب والزّْهاما

وهو ما يؤكده في قصيدة "طامو":

معلومْ كِيف ما دامتْ رخْفَا ما تْدُوم شَدَّا

هــذا امْواجَــبْ احْكام اصْروف الدهــر

يـــوم احْــــلاَ مــــن طـعـــم التـمــــر

أو يـــوم كـمـثــــل الحنْظــــل مـــــرّ

كما اشتهر بأنه غالباً لا يذكر اسمه على عادة الأشياخ.

وعند بعض الذين ترجموه أنه توفي عام ستة وستين ومائتين وألف للهجرة، بعد أن ناهز المائة عام ؛ وكان بذلك معاصراً للسلطان المولى عبد الرحمن بن هشام، وذا علاقة متبادلة معه. ومن إبداعاته التي ذاع صيتها: قصيدة "التوسل" التي يقول في حربتها:

يا من ابْلاني عافِني ارحمتَك انَّال

خفّْ ثقْلِي يتْسرَّح يَرْتْخا اعقالــي

وتجدر الإشارة إلى أن بعض شعره نسب لغيره، كما نسب له ما صدر عن بعض معاصريه، ولا سيما من تلاميذه، أمثال الطيب الواستري، ومحمد بن هاشم العلوي، وعزوز اللمتوني.

والثاني هو التهامي المدغري، وأصله من تافيلالت، إلا أنه عاش في مراكش وفاس   حيث كان رفيقاً للأمير محمد بن عبد الرحمن، وإن توفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف للهجرة، قبل أن يتولى رفيقه الملك بأربع سنوات.

           وقد اشتهر بنظم الشعر المعرب، والغزليات والخمريات في الملحون، حتى   عُد "شاعر المرأة الأول" ؛ إضافة إلى أنه – كما سبقت الإشارة إلى ذلك – كان مولعاً بنظم "السرارب" والإكثار من قافية الحاء، والقول في "النشب".

  ولم يكن مستغرباً وهو المختص في الغزل، أن يستحضر ذكرى "العاشق" بوعمرو الذي كان رُمي بالزندقة والفسق، لمجرد أنه تغزل في شعره، فقال عنه:

لو كُنت في ازْمان "العاشق"

انْكــون لُو الْخُــو الشّْقيـق

وانْحقّْ لَلْجحُــود احْقايَـق

وانْقـــول يالنَّايَــم فِـــــق

** ** **

أما بعد ذلك، ومع تأزم الأوضاع المغربية في أول القرن الماضي وما قبله – أي قبل إعلان الحماية على المغرب عام اثني عشر وتسعمائة وألف للميلاد – فسيظهر شعراء تناولوا بعض الأحداث الناجمة عن تلك الأوضاع؛ يكفي أن نذكر منهم:

الحاج ادريس بن علي لحنش الذي كان ينظم في الملحون وفي المعرب الذي له فيه ديوان ضخم ما يزال مخطوطاً في خزانة الرباط العامة، هو: "الروض الفائح بأزهار النسيب والمدائح" ؛ إضافة إلى رسالة ألفها بعنوان: "المقامة المغنية عن المدامة المسماة بروضة المنادمة والإيناس في لطف محاسن وادي فاس"، وهي مطبوعة على الحجر.

كانت وفاته سنة تسع عشرة وثلاثمائة وألف. وقد اشتهرت قصيدته "التطوانية" التي تناول فيها حرب تطوان التي وقعت عام ستة وسبعين ومائتين وألف للهجرة، الموافق سنة تسع وخمسين وثمانمائة وألف للميلاد؛ وفي حربتها يقول:

مَـــدْرَا نَفْديـــو الثَّــار      ويفادينا ربي امْع النّْصارى

نَسْعــاو النصـر والفتـح امْن الله ابْلمفضَّل وانْصـــارو

كذلك نذكر هاشم السعداني الذي ضاع له كناش يضم إنتاجه في حريق أصاب دكانه. وقد اشتهر بالقصيدة التي أنشأها في احتلال مدينة وجدة عام خمسة وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة، الموافق سنة ثمان وتسعمائة وألف للميلاد، وهذه حربتها:

يـا لسلام ابْكِوا اعْلى ادْخول وَجْـدَا

دُونْ حرب اغْنمها لًعْدُو اوْنال لْمراد

أما في عهد الحماية، فسيبرز شعراء في التعبير الوطني، ومن بينهم: محمد العيساوي الفلوس الذي يعد أحد كبار شعراء فاس في هذه الفترة، وكانت وفاته سنة خمس وخمسين وتسعمائة وألف للميلاد، وهو دون الستين.

ومن الشعر الوطني الذي اشتهر به قصيدة "النجمة" التي رمز بها للحرية، إذ جعل الليل والنهار يتصارعان من أجلها، والمقصود بهما الاستعمار والوطن. وجاء في حربتها:

سَمْعُوا يا حضَّار ما جْـرى للضَّيّْ أُلَبْهِيــــم

عن حسن النَّجْما اتْحَارْبُو في سَايَرْ لَكَـــــامْ

وانْصَارا الضَّيّْ اوْحازْها الْرَسْمُو وانْحاز اللُّوم

ومن بينهم كذلك محمد بن عمر الملحوني "شيخ أشياخ" مراكش. وهو من الذين أفدت منهم ومن كنانيشهم الكثير. وكان مبرزاً في نظم "السرابة"، إضافة إلى شعره القومي والوطني الذي نكتفي فيه بالإشارة إلى قصيدته في نفي الملك المغفور له محمد الخامس سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة وألف للميلاد، وما كان له من رد فعل في مراكش. وفيها يقول:

يَا هْلِي مَعْظَم يوم السَّبت بانَت ارْجَالْ     فالْمدايَنْ خرجَتْ بَطْرارْها كاتْقَاتَل

شبان افحول خارجين اﮔْـفُول

دَا لْهذا جَذْبان الحالْ سـارْ في حـالْ        كُلّْ واحَدْ بَلْسَانو كيصْرخْ قَايَـــل

وِينَادي فالحجايَفْ ولَفْحُــول

يا هْلَ الشعب المغربي اكْهُولْ واطْفـالْ             ما بْقَى بعدَ اليُوم اصْبَـر يالسَّايَـلْ

به الشَّبان بالجميـع اتْقــول

يوم لَخْميس امْضَى وابْقَى الحربْ مازال   عمر الثّوار ما تْهَنَّا الشعـب حامَل

واليُـوم اهْلُـو سيّبُو لَحْمُـولْ

وقد عُني ولده الأستاذ الباحث السيد عبد الرحمن الملحوني بجمع شعره – على كثرته – وذلك بعد أن توفي عام اثنين وسبعين وتسعمائة وألف للميلاد.

ولعلنا أن نضيف محمداً بلكبير المتوفى عام ثلاثة وسبعين وتسعمائة وألف للميلاد ؛ وهو أحد كبار أشياخ مراكش الذين عنوا بالقضايا الوطنية والقومية، ولا سيما مأساة فلسطين، على نحو قصيدته في حرب الستة أيام التي وقعت في يونيو عام سبعة وستين وتسعمائة وألف للميلاد ؛ وكان نظر فيها إلى الهزيمة التي مني بها العرب في محاولة لتأملها وأسبابها، مما يتضح في مثل قوله:

النّزع ادْهانا امْع بعضنا بعض اُلَعْدُو افْجنبنا يتْسنَّانَا

وامْعـاهْ لَخُّــوت                   سلّْحوه بَقْنابل لَلتَّخْـــرابْ

في وقت ما أحوج المسلمين إلى الاتفاق وتوحيد الصف:

لازَمْ للَصَّف انْوَحّْدُوه حسّْ امعنَى نتَّاحْدُوا اللاَّمَنْ يَقْوانا

اذَا كُنَّا متوافقين ما يَلحقْنا كذَّاب

هذا ويذكر من بين الشعراء الذين أغنوا مجال التعبير الوطني شيخ أشياخ الرباط المرحوم الحاج محمد العوفير الذي أطلعنا قبل وفاته رحمه الله على بعض كنانيشه التي تظهر أن أكثر نظمه في الغزل، وإن كانت له وطنيات رائعة، كقصيدته التي قالها في إحدى ذكريات "ثورة الملك والشعب"، التي تخلد يوم نفي الملك المغفور له محمد الخامس في العشرين من غشت عام ثلاثة وخمسين وتسعمائة وألف للميلاد، والتي حربتها:

من اعْظَمْها ذكرى يا من اتْسَالْ تاريخْ امْخلَّد

ثــورة الملك امْع الشعب يُوم الاستعمار انْفَـاه

لَكِن المُولى جــادْ اعْليـه أَيّْـدو واكْــرَمْ مثــواه

ومثله معاصره شيخ الرباط الكبير عثمان الزكي الذي كان كثير النظم في الأزمات السياسية والاقتصادية، على حد ما تكشف قصيدته "التوبة" التي حربتها:

يا طـالـــب لمــان       تب واعمل ما أمر به ربنا

كما يذكر من بين الذين أغنوا هذا المجال، ولا سيما في الاتجاه الواقعي الاجتماعي، الشيخ المرحوم عبد القادر الجراري المتوفى عام أربعة عشر وأربعمائة وألف للهجرة، الموافق سنة ثلاث وتسعين وتسعمائة وألف للميلاد. ونكتفي بإيراد حربة إحدى القصائد التي قالها في أزمة "البون"، أي البطاقة التي كانت تقنن التموين وتزويد المواطنين بما يحتاجونه من مواد غذائية وغيرها، أيام الحرب العالمية الثانية، وهذه حربتها:

حَرْتْ ابْقلَّــت لِبْزَار والفَاخَــر

والزِّيتْ والسّْمَن والصابون امْع السّمِيد عَادَ اهْمُومْ السّكَّر

  ومثله محمد لحلو الفاسي الذي له كذلك قصيدة في المناسبة نفسها، يقول في حربتها:

يـــــا نعــم الستـــــار             جد برحمتك يا لكريم غثنا

وفي هذا الإطار الاجتماعي، لكن باتجاه معاكس، ظهر بعض الشعراء بقصائد فكاهية، كقصيدة "الزردة" للحاج محمد بن عمر الملحوني، وفي حربتها يقول:

ولَمْضيغْ افْراسَا مَنْ لا ايْلِيهْ ضَرْسات

كيْملْــوَجْ فَمْضِيغـــو عـادْ تَيْسَرْطُـــو

وهي قلبٌ لقصيدة "الوصاية" للعلمي، وأولها:

لَحْبِيـب اللاَّ ينفعنِي افْيُوم حَزَّاتْ

ما نَحْمَل عن قلْبي غلّْ منْ اكْلَفْتـو

وقد اشتهر الشيخ احمر الراس المراكشي بهذا الأسلوب الذي يقلب فيه الموضوع من الجد إلى الهزل، كقوله:

سكْران رِيتْ يامَسْ يلْفظ بَشْعَارُو

اسْكَــر وطاحْ في دولَـــتْ لَبْكَــار

ما فاقْ حتّــَى اتْكــون العَشْـــرا

وهي قلب لقول التهامي المدغري:

اللازْهُور ازْهر وازْهارُو                بِك الزّهر اللاَّ ازْهـر

صُولِي صُولِي يا غْزَالي زَهْرَا

ويبدو أن هذا الموضوع تعرض للإهمال، وضاعت معظم قصائده لِما قد تتضمن من فحش وعبارات نابية.

** ** **

  وعلى امتداد هذه الفترة الممتدة زهاء ثلاثة قرون، كان للتصوف أثر متميز في "الملحون" ظهر به أشياخ، كمحمد بن يحيى البهلولي المتوفى حوالي ستين وتسعمائة للهجرة، ومحمد الشرقي المتوفى سنة عشر وألف للهجرة، وعبد الله الهبطي المتوفى عام ثلاثة وستين وألف للهجرة، وعبد الوارث الياصلوتي المتوفى سنة ست وسبعين وألف للهجرة، وأحمد بن عبد القادر التستاوتي المتوفى سنة سبع وعشرين ومائتين وألف للهجرة، ومحمد بن علي بن ريسون المتوفى عام تسعة وثمانين ومائة وألف للهجرة، ومحمد الحراق المتوفى سنة إحدى وستين ومائتين وألف للهجرة، ومولاي علي شقور المتوفى عام خمسة عشر وثلاثمائة وألف للهجرة، وأحمد بن عاشر الحداد الرباطي المتوفى عام ستة وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة، وآخرين أغنوا بقصائدهم ومقطوعاتهم ميدان "الذكر" الذي ما زالت تُتداول فيه لحد الآن.

والحق أنه من الصعب استعراض مختلف الميادين التي أبدع فيها شعراء الملحون. كما أنه من غير السهل ذكر أسمائهم، إذ لا يتسع لذلك نطاق هذه المقدمة.

ومع ذلك، فإنا نرى من باب الإنصاف والوفاء ضرورة ذكر بعض الذين كانت لهم مشاركة في هذا المجال، والذين وقفنا على نماذج من قصائدهم ؛ من أمثال محمد الروداني، ومحمد بن موسى الشريف، وعبد الرحمن ابن الحاج الطاهر، والعباس الحرار، وعباس بن بوستة، ومحمد المختار الشرايبي، ومحمد بن بوستة من مراكش ؛ ومحمد الجابري، وادريس العلمي، وعبد العزيز بن ادريس الوزاني، وعبد العزيز اعنون، ومحمد الشتيوي، والطيب الدباغ، وعلال العلوي، وعبد القادر الودغيري من فاس ؛ والتهامي ابن الشيخ فاضل، والمعطي بن صالح الشرقي، ومحمد الضعيف، وبوعزة الدريبكي، ومحمد بن أحمد الشرقاوي، ومحمد بن يوسف، والتهامي بناني، وتلميذه المكي الريش من الرباط ؛ وأنجار، ومحمد الشليح، والشيخ البري، وحسن اليعقوبي من سلا ؛ وبنعيسى الدراز من مكناس ؛ ومحمد بن علي الدمناتي، وحسن ابْرِيَّا، وعبد الكريم الفيلالي من أسفي ؛ وأحمد بن رقية، والبصير الزموري، وادريس الزموري من أزمور ؛ ومحمد المودن التطواني، ومحمد حسن من تطوان ؛ ومحمد العلمي ولد زيطانة من شفشاون ؛ ولحسن الصفريوي من صفرو ؛ وأحمد لحبيب من تافيلالت ؛ ومولاي أحمد بن عبد السلام العلوي من الدار البيضاء.

ولعلنا ألا ننسى ذكر بعض الشواعر اللائي كان لهن ظهور في هذا الفن، بدءاً من رُمَيلة أخت عبد المومن الموحدي، وكانت بارعة في نظم الأزجال، على الطريقة الأندلسية، وفق ما يكشف هذا النموذج الذي مطلعه:

مشَى السَّهَر حَيْرَان  *-*-*  حتى رَأَى إنسان  *-*-*  عَيْني وقف

وفي خرجته تقول:

اسْمر جنــان    *-*-*    في شَقَّة من نعمان  *-*-*    قد التَحَفْ

ونصادف بعدها في فترة متأخرة وبعد أن أحرز "الملحون" كيانه، الشاعرة الورديغية التي يحفظ لها من شعرها قصيدة في مدح سيدي محمد بن الحسن الريسوني المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف للهجرة، وفيها تقول:

القطْب لهْمـــــام    شَافْتُو عيني افْلمْنام

لابَسْ لَحْرِيــــــرْ    دَايَرْتُــــو خَضْـــرا

كما نصادف الشاعرة التوردانية بنت الفقيه التورداني الشفشاوني وزوجة السيد أحمد بوجنة، وكانت تعيش أيام السلطان محمد بن عبد الرحمن، أي أنها كانت معاصرة للتهامي المدغري. وعُمِّرت حتى أدركت عهد الحسن الأول في آخر القرن التاسع عشر للميلاد. ويقال إنها كانت تنظم الشعر ملحوناً ومعرباً. ومن أبياتها في مدح امرأة ريسونية تسمى العزيزة بنت أحمد:

للاَّ لعْزيزا يا بنت احمد                   يا بَنْت الجاه العالي

** ** **

هذا، وعلى الرغم من قصر هذه المقدمة وتقصيرها، فإنها توضح مدى أهمية شعر الملحون، باعتباره تراثاً غنياً يبرز الإمكانات الإبداعية التي تتوافر لأشياخه، وهم يبتكرون ويتفننون ويتقنون كذلك.

ولعل الذين يريدون شيئاً من التوسع، أن يرجعوا إلى بعض ما نشر عنه من مؤلفات، ولا سيما ما كتبه متخصصون عارفون، على رأسهم الشيخ المبرّز الأستاذ أحمد سهوم الذي ألف كتاباً عن "الملحون المغربي"، والذي كنت أفدت من أحاديثه الإذاعية عن هذا الفن، قبل أربعة عقود، يوم كنت أنجز أطروحتي عن "القصيدة.

  كما أذكر من بينهم الزميل المرحوم الأستاذ محمد الفاسي،
في "معلمة الملحون" التي نشرتها أكاديمية المملكة المغربية، والأستاذ
عبد الرحمن الملحوني فيما نشر من تراث والده المرحوم الحاج محمد بن عمر الملحوني، وما كتب عن هذا الفن وغيره من ألوان التراث الشعبي ؛ دون أن أنسى الأستاذ الدكتور عبد الصمد بلكبير الذي نشر "ديوان الملحون"، متضمناً مختارات المرحوم والده.

وتكريماً للشيخ بلكبير، واحتفاء بالشاعر أحمد سهوم، أصدرت جمعية هواة الملحون بمراكش : "شعر الملحون بين ثقافتين: العالمة والشعبية". وكان الأستاذ عبد الله شقرون قد أخرج "الأدب الشعبي على أمواج الإذاعة". كما أصدر الأستاذ علال رﮔـوﮒ: "المقاومة المغربية من خلال التراث الشعبي". وأصدر الأستاذ الدكتور محمد بنشريفة "تاريخ الأمثال والأزجال في الأندلس والمغرب" في خمسة أجزاء.

ومن الاعتراف للذين يسعون من الشباب المتطلع إلى نشر نصوص من الملحون، سواء في أصلها أو مترجمة، أشير إلى الأستاذ فؤاد جسوس الذي أصدر أربع مجموعات صغيرة عن "الملحون المغربي بلغة مـوليير"، وإلى المنشد البارع السيد محمد السوسي الذي نشر مجموعات صغيرة بعنوان "الملحون"، وإلى الشاعر الأستاذ جمال الدين بنحدو الذي أخرج مؤخراً "شهدة ملحونية" من إبداعه،وألحق بها بعض عيون القصائد المتداولة.

وإني لأود في هذا المقام أن أشيد بالدارسين الذين تناولوا في بحوث الإجازة موضوعات تتصل بالملحون، ولا سيما الذين أنجزوا رسائل وأطاريح جامعية سعدت بالإشراف عليها بعد جهد شاق مع الإدارة التي لم تكن تقبل كل ما يتصل بالتراث الشعبي، سواء في الدرس أو البحث ؛ وأخص منهم  بالذكر الأستاذ الدكتور منير البصكري في رسالته عن "الشعر الملحون في أسفي" وهي مطبوعة، وأطروحته عن "النزعة الصوفية في الشعر الملحون" ؛ والأستاذ عبد الإلاه جنان في رسالته عن "شاعر الملحون الشيخ أحمد بن رقية الأزموري – دراسة لشعره" ؛ والأستاذة ثريا ابن الشيخ في رسالتها عن "الصورة الفنية في الخطاب الشعري بين شعر الملحون والروايس" ؛ والأستاذة خديجة صدوق في رسالتها عن "الأدب الشعبي المغربي: قضاياه ومناهجه". وربما كان من أهم ما أنتج على الصعيد الجامعي، بحث الأستاذ عبد الصمد بلكبير عضو لجنة "موسوعة الملحون"؛ وعنوانه: "الشعر الملحون: الظاهرة ودلالاتها".

وهكذا، لم يكن غريباً بعد أن أخذ "الملحون" موقعه في مقررات بعض الجامعات وما ينجز فيها من دراسات، أن يبرز فيها، وفي المراكز المعنية بالتراث الشعبي، باحثون تسنى لي – بكثير من الفخر والاعتزاز – أن أقف على بعض ما قدموا من عروض عميقة في هذا المجال برؤى جديدة ومناهج متطورة. ولعلي أن أذكر من بينهم الأساتذة السادة: محمد جودات، وعبد الفتاح فهدي، وسميرة الكنوسي، ومحمد بلاجي من الدار البيضاء ؛ وعبد الإله بوشامة، ونور الدين لحلو، ومولاي على الخامري، وعبد العزيز إدريسي أزمي من الجديدة ؛ ومصطفى الحسوني من المحمدية ؛ ومبارك أشبرو من أرفود ؛ وعبد الصادق سالم من الرشيدية.

وموازاة مع هذا النهوض الذي يعرفه "الملحون" سواء في ميدان النظم أو الدراسة، برزت عناية فائقة بالإنشاد المتطلب مهارات خاصة في الأداء، بكل ما تقتضيه قراءة الشعر من تعبير سليم وصوت رخيم وضبط للإيقاع وما إلى ذلك مما كان يتميز به أشياخ من أمثال عبد الكريم ﮔنون، والفقيه ابن الهاشمي، والتهامي الهروشي، ومحمد بن غانم، وبنعيسى الفاسي، والتهامي العلوي، والحاج محمد بن سعيد، والحسين التولالي، والتهامي بن عمر، وأحمد ابن الراضي، ومحمد برﮔاش، والحسين ابن ادريس، وعبد الحميد العلوي، وأحمد حمّان، ومحمد بن عبد السلام العلمي، ومحمد ابن موسى المراكشي، وأحمد الدمناتي، والمحجوب الزيتوني. وعلى هديهم يسير منشدون أتاحوا لقصيدة الملحون أن تنتشر، خاصة بين الشباب.

وسنذكر بعضهم ضمن أعضاء لجنة الموسوعة. ونود أن نضيف إليهم السادة أحمد أمنزو وأخاه محمد، وامحمد بن عمر الملحوني من مراكش، والحاج امحمد الحضري من فاس، ومحمد الخياطي بوتابت، وادريس الزعروري، وعبد اللطيف التوير من مكناس، والرحيمي عبد المجيد وجواد السجعي من أزمور، ومحترم، وخليل لَبْزَار، وشوقي الوراتي من أسفي. كما نود أن نضيف إليهم بعض الأصوات النسائية التي نالت حظاً وافراً من الإقبال بما توفره أجهزة الإعلام من برامج، والتي يكفي أن نشير من بينها إلى الأوانس والسيدات ثريا الحضراوي من الدار البيضاء، وماجدة اليحياوي ونعيمة الطاهري وحياة بوخريص وليلى المريني من مكناس، وسناء مراحاتي من أزمور، وأسماء الأزرق من تارودانت.

** ** **

هذا، وفي نطاق اهتمام أكاديمية المملكة بالتراث في جميع أشكاله، ورغبة منها في مواصلة خدمة "الملحون" وإبراز أهميته وجمع نصوصه ونشر دخائره، بعد أن كانت أصدرت "معلمة" الأستاذ المرحوم محمد الفاسي، وسعياً منها إلى أن يتسم العمل الأكاديمي بما ينبغي له من دقة التقصي والبحث، فإنها خططت لمشروع كبير يتمثل في "موسوعة الملحون". وقد بدأت أولى مراحل تنفيذه بتشكيل لجنة تشرفت برئاستها، تتكون بالإضافة إلى أعضاء لجنة التراث بالأكاديمية، من معظم المعتنين بهذا المجال، المشهود لهم بالتبريز فيه، إنشاءً وإنشاداً وجمعاً ودراسة ؛ مع مراعاة تمثيلها – قدر الإمكان – لمختلف المدن والأقاليم التي لا يخفى ما لكل منها من مساهمة ثرية في هذا المضمار.

وهم السادة الآتية أسماؤهم مرتبة أبجديا حسب المدينة:

منير البصكري، ومولاي اسماعيل العلوي السلسولي من أسفي ؛ وعبد الإله جنان من الجديدة ؛ وجمال الدين بنحدو من الدار البيضاء ؛ ومصطفى عبد السميع العلوي، ومبارك أشبرو من الرشيدية ؛ وعبد الله شقرون، وأحمد الطيب لعلج، وعبد الله ملين، وعبد العطي لحلو، وادريس أخروز، وأحمد شوقي بنبين من الرباط ؛ وعمر بوري، وأحمد أبو زيد من تارودانت ؛ ومالك بنونة من تطوان ؛ وعبد الله الحسوني، وأبو بكر بنسليمان من سلا ؛ وعبد المالك اليوبي، والسوسي محمد، ومحمد بوزوبع من فاس ؛ وعبد الرحمن الملحوني، وعبد الصمد بلكبير، وعبد الله الشليح، وحسن جلاب من مراكش ؛ وعبد العزيز بن عبد الجليل، ومحمد أمين العلوي، وعلي كرزازي من مكناس ؛ وإلهام بن سيمو من ميدلت.

وكان أول عمل قام به الأعضاء، هو تقديم ما لديهم من مجاميع وكنانيش أصلية أو مصورة، ومن نصـوص متفرقة، أضيفت إلى ما في الخزانة الحسنية والخزانة العامة ؛ مما توافرت به دخيرة هائلة ضمت نحو ستة آلاف قصيدة، كان فيها بعض المكرر، وكذا تفاوت في الجودة سواء من حيث الخط أو سلامة النص، أو ما قد يكون فيه من بتر.

وبعد ذلك، وعلى إثر عدة لقاآت نوقشت فيها مختلف القضايا المتصلة بتحقيق الغاية المتوخاة، تم الاتفاق على منهج العمل الكفيل بتنفيذ هذا المشروع الضخم الذي يقضي بعد الجمع والتوثيق، أن تخرج الأعمال التي تبدو تامة على شكل دواوين، مع إمكان نشر ما قد يقدم من دراسات، ولا سيما ما ينجز في الجامعات من رسائل وأطاريح.

وباقتراح من الجميع، وحتى تَسهل إجراآت التنفيذ ويتغلب عليها بطريقة عملية، تفرغت عن اللجنة الكبرى لجنة مصغرة ضمت الأساتذة السادة أبا بكر بنسليمان، وعبد الله الحسوني، وعبد الرحمن الملحوني، وعبد المالك اليوبي، ومحمد أمين العلوي ؛ لمزيد من التمحيص والتأمل، في ضوء الكمية الهائلة التي تراكمت من النصوص.

ثم تبين أنه لكي تتبلور الإجراآت المنهجية المتفق عليها ويتحقق التنفيذ بطريقة عملية، أسند الإعداد للخبيرين بنسليمان والحسوني اللذين أشهد لهما بما قاما به من عمل دؤوب وشاق اقتضى فرز النصوص ومقارنتها والترجيح بينها، اعتماداً على سلامة المعنى واعتبار القافية. كما اقتضى رقن هذه النصوص بمساعدة موظفين من إدارة الأكاديمية، وكذا ترتيبها وفهرستها حسب قوافيها ؛ مع اعتماد كتابة تقترب من كتابة النصوص المعربة، دون إهمال الشكل المساعد على القراءة، في مراعاة قدر الإمكان لبعض الخصائص التي يتطلبها الإنشاد من مد وتمطيط، وغير ذلك مما هو راجع للمنشد نفسه ومدى طاقته وقدرته على التعامل مع النص في الأداء ؛ دون إغفال ما في هذه المراعاة من صعوبة لا تنكر، ودون إغفال كذلك لطبيعة الملحون القائمة في الأصل على سرد "لكْلام" قبل تلحينه والتغني به.

وحين كانت توجد قصائد مبتورة، كأن ينقصها صدر أو عجز أو بيت كامل أو حتى قسم برمته، فإن مكان النقص يبقى فارغاً وفق ما تتطلبه الأمانة العلمية. كذلك حين تكون النصوص متعددة لشاعر واحد وفي نفس الغرض، فإنها ترقم متتابعة، دون اعتبار ترتيبها الزمني ؛ مع التنبيه في هذا الصدد إلى الخلط الذي تعرض له نسخ بعض النصوص، بين "الحربة" و"الدخول". كما تم الاتفاق على إفراد "السرارب" بسفر خاص، دون إلحاقها بالقصائد التي تنشد معها، حتى حين تكون النسبة لأصحابها معروفة. وذلكم بسبب الخلط الذي تعرض له هذا النمط من النظم في الملحون، ولا سيما عند الإنشاد.

ونظراً لارتباط القصائد بتسميات معينة تعرف بها، فقد تقرر إعطاؤها الأسماء الرائجة المتداولة عند أهل الملحون ؛ وذلكم تفادياً لأي خلط قد يقع إذا ما غيرت التسميات. أما القصائد المنسوبة بشيء من الشك، فقد تقرر نشرها ضمن إنتاج الشاعر المنسوبة إليه، مع الإشارة إلى ذلك.

وكان بالإمكان ربط تدوين النصوص بتحقيقها، وفق ما تستوجبه عملية التحقيق العلمي المتعارف على منهجه في نشر كتب التراث، من مقابلة وتعليق وتعريف بالأعلام وشرح بعض الغوامض، ولكن تبين أن الأمر يتطلب جهداً إضافياً ووقتاً طويلاً، مما كان لا شك سيعطل بلوغ الغاية المنشودة التي هي إخراج تلك النصوص وتوفيرها للباحث المهتم، وكذا للقارئ العادي سهلة، دون إثقالها بهوامش قد لا تهم إلا فئة معينة من المعتنين.

  وبهذا العمل الذي استغرق زمناً غير يسير، تمت معالجة النصوص عن طريق الحاسوب، بتسجيلها وإثبات اسمها وحربتها ومطلعها، مما أمكن معه إنشاء قاعدة معطيات متناسقة ومتكاملة يسهل رجوع الباحثين والمهتمين إليها.

ومن ثم أمكن جمع دواوين لكبار شعراء الملحون، أمثال المغراوي وامتيرد وابن علي وعبد القادر العلمي والتهامي المدغري وابن عمر الملحوني وابن الكبير وغيـرهم ؛ وكذا بعض الذين كانت قد جمعت قصائدهم في دواوين، ولكنها تحتاج إلى أن تُراجع وتستكمل وتُخرج من جديد، كما هو الشأن بالنسبة لديوان السلطان المولى عبد الحفيظ العلوي، المتنازل عن الملك إثر دخول الحماية عام اثني عشر وتسعمائة وألف للميلاد، والمتوفى سنة سبع وثلاثين وتسعمائة وألف ؛ وكان قد نشر على عهده في طبعة حجرية بفاس دون تاريخ.

ثم وقع الاتفاق على البدء بإخراج ديوان الشيخ عبد العزيز المغراوي، لما له من سبق تاريخي وفني ؛ ويضم سبعاً وأربعين قصيدة ثابتة النسبة للشاعر، ومعها خمس أخرى مشكوك في نسبتها إليه. وهو الذي أسعد بكتابة هذا التقديم له، كفاتحة لـ : "موسوعة الملحون" التي تعتزم الأكاديمية إصدارها موصولة ومتتابعة بإذن الله ؛ في سعي إلى أن تكون مستوفية للنصوص قدر الإمكان، وفي تطلع إلى تلقي كل الملاحظات والاقتراحات التي قد تبدو لقرائها الكرام.

** ** **

  وإذا كان لا بد من تعريف وجيز بالشاعر الذي نحن بصدد نشر ديوانه في هذا السفر الجليل، فإنه يكفينا أن نذكر أنه من آمغرا في صحراء تافيلالت التي يعتز بالانتساب إليها، على حد قوله يرد على بعض خصومه:

فيلالي يا حْزين ما نْكُر حَسْبي مَن جَدّْ الجَدّْ

مَن اقْريـش إِلى عثمـان

ثم انتقل منها إلى فاس حيث استقر وأقام. وهو يعد من كبار الأشياخ وأوائلهم الذين ساهموا بحظ وافر في تطوير الملحون وإغنائه، بما كان له فيه من إبداع تجلى في طبيعة الأغراض التي أبدع فيها، وكذا في ابتكاره للدندنة كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ثم في اتخاذه "العروبيات" التي يقدم بها للأقسام، كقوله يقدم "لقصيدة الغاوي" التي حربتها:

ردّْ بَالَكْ لَلْقَبْـلا رَا الحـالْ ضَــوَّا

وُلَقْبُول امْن اللَّهْ امْقَرَّبْ لَخْطَاوِي

فقد قدم لأحد أقسامها بهذا العروبي:

يَـا رَاسِـي تُبْ شُفْ لَمْآثَـــمْ يَقْــــوَاوْا

تُــب المُـولاَك تُــبْ يـا هــذَا المَغْــوي

واعمَلْ حَسنَات قَبْل لَصَحُوفْ يَنْطوَاوْا

تَلقَاهُــمْ فَـارْغِين واتْوَلِّـــي مَكْـــــوِي

يَبْليـسْ امــع النّفس في الغَـيّْ اتْــوَاوْا

وانْتَ مـا زال غَابَـطْ وُزايَـــدْ تَهــْوِي

رَاسِــي لَلَّهْ لِينْ غَادي يَــا مَغْـــــوِي

وعلى الرغم من أنا لا نعرف بالضبط تاريخ ميلاده ووفاته، فإن الرجوع إلى بعض قصائده قد يفيد في تحديد تقريبي لهما.

فهو في قصيدته المطولة "تشقيق القمر" التي أولها:

سبحان لَعْزيز الواحَدْ الرَّحمـانْ

المُولَـى لَقْديـم الدَّايَـمْ الـمَنَّـــان

إِلاَهـاً اخْتــارْ الأنبيّــَا الأَعْيـان

وارْفَعْ اقْدرهُمْ بَالمعجزات اوْشَان

يشير إلى أنه نظمها عام اثنين وعشرين وألف للهجرة، وعمره نحو الخمسين، إذ يقول في آخرها رامزاً للألْف بالشين وفق حساب الجمَّل:

في عـامْ اثْنَــا وْاعَشْرين بعأأد الشِّيـن

انظَمْ دا القصيدْ أوَّل الرّبيعْ في الحِينْ

عُمْرو فـي ذا التّاريخ قرَّب الخمسـين

بَاللَّــه زَاوْدُوه ابْـرحْمَــتْ الـرحمــان

كما أنه في آخر بيت من قصيدته المطولة كذلك والمعنونة بـ: "التّْفافَحْ" التي حربتها:

صَلِّيوْا وسلّْموا اعْلَى شَارَقْ لَنْوارْ

مُـحــمـــد ســيَّـــدْ لـمْــــلاَح

يشير بنفس الحساب (ش-م) إلى أنه أنشأها عام خمسين وألف للهجرة، مما يدل على أن عمره إذ ذاك كان يقارب الثمانين:

نُورِي تـاريخ لقْصِيــدا في لَشْطــارْ

الشِّينْ والنُّونْ يالسَّامَعْ دَا التَّوْشَاحْ

ومن المرجح أنه توفي في الغرفة بتافيلالت حيث قبره فيها معروف.

ومهما تكن هذه المقاربة لمعرفة تاريخ ولادته ووفاته، فإن من المؤكد أنه عاش في العصر السعدي، على عهد أحمد المنصور الذهبي الذي تولى على إثر وقعة وادي المخازن سنة ست وثمانين وتسعمائة للهجرة، وتوفي عام اثني عشر وألف. وقد رثاه المغراوي بقصيدته التي تسمى "لَعْزُو"، أي العزاء، وفي حربتها يقول:

عامْ شايَبْ مات الذَّهبِي اخْيارْ لَتْرابْ

ما بْقَى لَلسَّعْـدِيَّ بَـــاشْ ايْرجْحُـــــو

Publié dans مقالات

Commenter cet article