تقديم ديوان الشيخ الجيلالي امتيرد

Publié le par جمعية هواة الملحون

مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية

سلسلة التراث

موسوعة الملحون

 

 

ديوان

الشيخ الجيلالي امتيرد

 

 

تقديم الدكتور عباس الجراري

 

بسم الله الرحمن الرحيم

سعياً إلى مواصلة العمل الجاد، الهادف إلى إنجاز مشروع "موسوعة الملحون"، وبعد أن أصدرت أكاديمية المملكة المغربية أول أجزائها متعلقاً بديوان الشيخ عبد العزيز المغراوي، ها هي تنشر الجزء الثاني خاصاً بديوان الشيخ الجيلالي امتيرد. وإنها لتأمل أن تتابع بمشيئة الله إخراج مجاميع شعرية أخرى تكون قد توافرت مادتها وفق ما هو مدون في الكنانيش، ومتداول بين الحفاظ والمنشدين والباحثين وسائر المعتنين، في حرص على الالتزام بالمعايير المنهجية التي اتفقت عليها لجنة الموسوعة، والتي سبق لي أن أوضحتها في مقدمة الجزء الأول المشار إليه.

في سياق هذا الحرص والرغبة في أن يكون العمل مكتملاً أو قريباً من الاكتمال، وتطلعاً من أجل ذلك إلى استطلاع آراء متلقيه وما قد يكون لهم من ملاحظات عليه، فقد انتهزت مناسبة إلقائي محاضرة في افتتاح مهرجان فاس لفن الملحون، أيام الرابع والعشرين والخامس والعشرين والسادس والعشرين من ربيع الثاني 1429 الموافق للفاتح والثاني والثالث من شهر مايو المنصرم، فعرضت مشروع الموسوعة، وقدمت ديوان المغراوي كباكورة له، وكان قد صدر قبل هذا التاريخ بأيام قليلة. ولا أخفي أني سررت كثيراً، ليس فقط بعبارات التنويه والتقدير التي أعرب عنها الدارسون والمهتمون من الجمهور الحاضر، ولكن كذلك بالقضايا المختلفة التي أثاروها، دالة على ما لهم من معرفة بالفن وما يشغلهم من استفسارات عن بعض مشكلاته.

وتكاد تكون هي نفس القضايا التي طرحها أعضاء لجنة الموسوعة في اجتماع بالأكاديمية أسبوعا بعد ذلك ؛ وكان مناسبة لإطلاعهم على ما كان تم في محاضرة فاس.

ونظراً لأهمية هذه القضايا، فقد اقترحت أن تكون مقدمة كل جزء من الموسوعة مجالاً لتناول بعضها، إضافة إلى الترجمة التي تدرج في تلك المقدمة للشاعر الذي يكون ديوانه موضوع هذا الجزء.

ولعل من أكثر المسائل التي طال الجدل حولها – ويطول – ما يتعلق بمفهوم مصطلح "الملحون"، إن كان معزوا إلى اللحن بمعنى الخطأ اللغوي والنحوي وما هو غير معرب، أو راجعاً إلى اللحن الذي يقصد منه المدلول الموسيقي القائم على التوقيع والتنغيم والتطريب، أو غير هذا وذاك مما تعنيه كلمة اللحن التي هي الأصل في التسمية.

ذلكم أن لهذه الكلمة دلالات متعددة تتبعها علماء اللغة، على نحو ما فعل ابن منظور في "لسان العرب"، حيث ذكر لها ستة معان هي:

1-     الخطأ في الإعراب، وهو معروف.

2-     اللغة كما في قول عمر بن الخطاب t يحث على تعلم اللغة: "تعلَّموا الفرائض والسنن واللحن كما تعلَّمون القرآن".

3-     الغناء وترجيع الصوت والتطريب، كما في قول يزيد ابن النعمان:

لقد تركتْ فـؤادك مُسْـتجِـنّاً

مُطـوقـةٌ على فَنَـنٍ تَغنَّــــى

يميـل بهـا وتركبـه بلحــن

إذا مـا عَـنَّ للمحـزون أَنَّــا

فلا يَحزُنْـــكَ أَيـامٌ تَولَّــى

تَذكُّرُهـا، ولا طيـرٌ أَرنَّــــا

4-    الفطنة، ومنه قول مالك بن أسماء بن خارجة الفَزَاري:

وحـديــثٍ أَلـــذُّه هـــو مــمأـا

يَنعــت الناعتــون يُوزن وزْنـــا

منـطــق رائــع وتَلـحــن أحيـا

ناً وخير الحديث ما كان لحنـا

5-    التعريض والإيماء، كقوله عليه الصلاة والسلام وقد بعث رجلين إلى بعض الثغور ليكونا عيْنا: "إذا انصرفتما فالْحَنا لي لَحْنا" أي أَشيرا إليَّ ولا تفصحا وعَرِّضا بما رأيتما.

6-     المعنى والفحوى، كقوله تعالى: )ولتعرفنَّهم في لحن القول(.

حين ننظر في التفسيرات التي أعطاها دارسو الملحون لهذا المصطلح، نجد أنها ركزت على معنيين اثنين:

أولهما متصل بالموسيقى والغناء.

وثانيهما مرتبط بعدم الإعــراب.

إلى المعنى الأول ذهب الأستاذ المرحوم محمد الفاسي حين قال: "والحقيقة أن لفظة الملحون هنا مشتقة من اللحن بمعنى الغناء، لأن الفرق الأساسي بينه وبين الشعر العربي الفصيح أن الملحون ينظم قبل كل شيء لكي يغنى به". وقال كذلك: "أول ما يتبادر للذهن أنه شعر بلغة لا إعراب فيها، فكأنه كلام فيه لحن. وهذا الاشتقاق باطل من وجوه، لأننا لا نقابل الكلام الفصيح بالكلام الملحون، ولم يرد هذا التعبير عند أحد من الكتاب القدماء لا بالمشرق ولا بالمغرب. والذي أراه أنهم اشتقوا هذا اللفظ من التلحين بمعنى التنغيم، لأن الأصل في هذا الشعر الملحون أن ينظم ليتغنى به قبل كل شيء. ونجد ما يؤيد هذا النظر من قول ابن خلدون في المقدمة في الفصل الخمسين في أشعار العرب وأهل الأمصار لهذا العهد بعد أن تكلم على الشعر باللغة العامية فقال: وربما يلحنون فيه ألحاناً بسيطة لا على طريقة الصناعة الموسيقية".

وإلى المعنى الثاني ذهبت في أطروحتي عن "القصيدة" منطلقا من نقد رأي المرحوم الفاسي، ومناقشاً إياه من وجهات ثلاثة. أرى ضرورة التذكير بها:

  الأولى: "أن هذا الشعر لم يكن ينظم أول الأمر ليغنى به، وأن اتخاذه للغناء تم في مرحلة تالية" تشهد على ذلك نصوص الملحون الأولى، سواء من حيث طبيعة مضامينها أو الأساليب التي كانت تؤدى عليها. وإنه لتكفي الإشارة في هذا الصدد إلى الشاعر الفيلالي الرائد مولاي الشاد الذي كان يعيش في أول القرن العاشر الهجري، ويعتبر أقدم من وصلتنا بعض نصوصه متمثلة في مقطوعتين سبق أن سقت أول مقاطع أولاهما وفي مستهل الثانية يقول:

خوك عبدك وانت ديما الخوك مملوك

لا تأديه الله يهديك ما يؤديك

لك عايش وانتيا له كتعيش

لا تكونوشي طوب افشي ابني اهشيش

عيشوا بالله والنبي والقرآن امع لحديث

  وتجدر الإشارة إلى أن ما كان متداولاً بين الزجالين قبل وضع البحور والقياسات، هو ما كان يطلق عليه "كان حتى كان"، وفق ما يذكر شاعر فيلالي معاصر لمولاي الشاد، هو عبد الله بن احساين في مطلع قصيدة طويلة له حيث يقول مقابلاً بين هذا النمط من التعبير وبين النظم الموزون:

نبدا باسم اللــه انظامـي ياللـي ابغـا لــوزان

لوزان خير لي أنايا من قول "كان حتى كان"

وهي نصوص تدل على أن الغرض الذي كان يشغل الشعراء في هذه الفترة، لم يكن يتجاوز المواعظ الدينية والتوجيهات الاجتماعية التي كانت تلقى "سردا" في الزوايا والمساجد. وحين حاول أحد تلاميذ ابن احساين هو محمد بن علي بوعمرو أن ينظم في الغزل قصائد لإنشادها في مجالس خاصة، تعرض لنقد لاذع. وتعتبر "زهرة" من أولى قصائده في هذا الغرض، وهي التي يقول في حربتها:

زوريني قبل اللا نقبار             يا هلال الدارا زهرا

فقد رمي إثرها بالزندقة، على حد قول الشاعر لمراني المدغري الذي سبق أن أوردت هجاءه لبوعمرو. وقد تكرر هذا الموقف الهجائي مع أحد شعراء مراكش هو حسون وتير الذي قال:

ملّــت امن السجيــا ولَّــى فيها الـعـار والشنـار

واغضبت اعلى الشعر الملحون اللي ناظمو فاضرا

الفاسـق اللئيــم الزنديــق اللــي شنــع ابلبكــار

ألـوايلــي اجـنــاح انفدفــد وانطيـر له للصحـرا

وكان الشيخ أحمد سهوم قد اعتبر مقطوعتي مولاي الشاد بواكير للملحون "قبل أن توضع له بحوره وعروضه، إنه مجرد كلام غير موزون وغير مقفى لكنه بليغ وهادف وفيه مسحة من جمال الشعر".

الثانية: أن الفصاحة عنصر مشترك بين المعرب والملحون، مما يجعلنا لا نقابل الملحون بالشعر الفصيح. وقد انتبه ضياء الدين ابن الأثير إلى هذه الحقيقة فذهب إلى "أن الجهل بالنحو لا يقدح في فصاحة ولا بلاغة، ولكنه يقدح في الجاهل به نفسه لأنه رسوم قوم تواضعوا عليه وهم الناطقون باللغة فوجب اتباعهم. والدليل على ذلك أن الشاعر لم ينظم شعره وغرضه منه رفع الفاعل ونصب المفعول أو ما جرى مجراهما، وإنما غرضه إيراد المعنى الحسن في اللفظ الحسن المتصفين بصفة الفصاحة والبلاغة .... فتبين بهذا أنه ليس الغرض من نظم الشعر إقامة إعراب كلماته وإنما الغرض أمر وراء ذلك".

وعند ابن خلدون في حديثه عن شعر أهل أمصار المغرب من العرب أن "في هذا الشعر بلاغة فائقة وفيهم الفحول ... فالإعراب لا مدخل له في البلاغة. إنما البلاغة مطابقة الكلام للمقصود ولمقتضى الحال من الوجود فيه، سواء كان الرفع دالا على الفاعل والنصب دالاً على المفعول أو بالعكس، وإنما يدل على ذلك قرائن الكلام كما هو لغتهم هذه. فالدلالة بحسب ما يصطلح عليه أهل الملكة فإذا عرف اصطلاح في ملكة واشتهر صحت البلاغة ...". ويزيد فيؤكد أن "أهل العلم بالمدن ... يحسبون أن الإعراب هو أصل البلاغة وليس كذلك".

وانطلاقا من هذا المفهوم، كان أشياخ الملحون يَمدحون شعرهم بصفة البلاغة، على حد قول محمد بن علي في أول قسم من "المحاورة":

افراجا مقصيا اكما اسمعت انعاود للسامعين برضاهم

برجاحت لعقل وابلاغت لحبار جيت اخصام الخودات في انهايت شعري منظوم

ويؤكد هذا المنحى مجموع التسميات التي أطلقها الأشياخ على الملحون من مثل : الموهوب ولكلام والسجية والشعر والنَّظام والقريض واللغا.

الثالثة: أن المصطلح الذي يقابل "الملحون" هو "المعرب" على حد ما توافق عليه الدارسون والنقاد. فالحلي في حديثه عن الفنون المستحدثة يقول: "وهي الفنون التي إعرابها لحن وفصاحتها لكن وقوة لفظها وهن، حلال الإعراب بها حرام وصحة اللفظ بها سقام". وعند إبراهيم التادلي أن "الملحون يطلق على النظم غير المعرب".

يضاف إلى هذا أن ابن خلدون في تناوله لـ: "عروض البلد" الذي استحدثه أهل الأمصار بالمغرب، لم يشر إلى أن هذا الشعر كان يغنى به، وإنما قال : "فاستحسنه أهل فاس وولعوا به ونظموا على طريقته وتركوا الإعراب الذي ليس من شأنهم". على أن اللحن بمعنى الغناء لم يكن شائعاً بين شعراء الأمصار الذين تحدث عنهم ابن خلدون، بدليل استعماله "ربما" في قوله: "وربما يلحنون فيه ألحاناً بسيطة".

وبين الرأي القائل باللحن مقابلاً للإعراب والرأي المعتبر أن اللحن بمعنى الغناء، يميل الأستاذ أحمد سهوم بعد انتقاده لهما إلى رأي ثالث، يذهب فيه إلى أن "القول الملحون هو القول البليغ، الواصل المقنع"، ويسوق لتعزيز رأيه الحديث النبوي الشريف الذي اجتزأ منه ما يتصل باللحن، والذي يقول نصه الكامل: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له بشيء بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها".

وعندي أن هذا الرأي، وهو يستبعد عن اللحن مفهوم الغناء ويربطه بالبلاغة، لا يبتعد كثيراً عما قلته إن لم يكن يؤكده، مع الإشارة إلى أن القصد من اللحن في الحديث الشريف هو "الميل عن جهة الاستقامة. ويقال لحن فلان في كلامه إذا مال عن صحيح المنطق وأراد أن بعضكم يكون أعرف بالحجة وأفطن لها من غيره".

أما بعد هذا، فيبدو لي استكمالاً لمشكل مفهوم "الملحون"، أن اللحن بمعنى الغناء في الأصل، كان يقصد منه التطريب وترجيع الصوت واعتماد المد أو القصر والضغط على بعض الحروف وتمطيط الكلمات، على نحو ما قد يكون في تلحين القرآن الكريم، ولم يكن يعني الجانب الموسيقي القائم على الآلات.

ولعل مما يدخل في هذا السياق، ما هو معروف في إنشاد قصائد الملحون من أساليب الأداء المعينة على التطريب، مما يطلقون عليه "التمويلة" وكنت قد مثلت لها بتمويلة قصيدة "التوبة" لابن سليمان. وأزيد لتوضيحها نموذجاً آخر يتمثل في تمويلة قصيدة "المرسم" التي حربتها:

أنا والمرسم يا حمام ثالثنا فالزهو انت

المرسم يبكي اعلى الشماعا وانت تبكي اعلى النثا ونا على لغزال

وجاءت تمويلتها على هذا النحو:

أنا يا ما لي للا يا مولاتي للا ادوى

ومثلها "التشحيرة" و"الترتيحة"(25) وهي عبارات "يشدون" بها الميزان و"يقبضونه" لضبطه والتحكم فيه. وغالباً ما يؤديها "الشدادا" أي مجموع المرددين، ومنها "يا سيدنا يا سيدنا" و"يا للا يا للا" و"دادا مي اللا هيا اللا"، على نحو ما نجد عند التهامي المدغري في قصيدة "عشية الجمعا" حيث أضاف "يا للا يا لـلا" بين أشطار أبياتها بدءاً من الحربة، وفق ما كنت مثلت للترتيحة. وأود أن أضيف "تشحيرة" قصيدة "طامو" للتهامي المدغري، وهي:

دا دا امّي اللاَّ اهْيا للاَّ

وتأتي على هذا النحو مع حربة القصيدة:

جيش لغرام يا طامو ما نقدر اعلى الطامو

دا دا امِّي اللا اهيا للا

ويبدو لي أن بدايات الأداء الغنائي الموسيقي المعتمد على الآلات، ظهرت مرتبطة فقط بالطبلة الصغيرة التي تعرف باسم "التعريجة" و"لـﮔوال"، والتي شاع بين الأشياخ أن أول من توسل بها هو الجيلالي امتيرد الذي أسعد بتقديم ديوانه في هذا الجزء الثاني من موسوعة الملحون.

ويعتبر الشيخ امتيرد في طليعة شعراء الفترة التي ازدهر فيها الملحون بعد مرحلة ركود أعقبت حقبة نشأته وتطوره، والتي امتدت من منتصف القرن الثاني عشر الهجري، ابتداء من عهد السلطان محمد بن عبد الله الذي يبدو أنه كان ولوعاً بالملحون، إلى أوائل القرن الماضي زمن السلطان عبد الحفيظ الذي كان من شعرائه، إذ خلف ديواناً سبق أن طبع على الحجر في فاس بدون تاريخ.

وفي هذه الفترة ظهر كبار الأشياخ المبدعين من أمثال محمد النجار، وعبد القادر بوخريص، ومحمد بن علي العمراني ولد ارزين، ومحمد بن سليمان، ومحمد ابن قاسم لعميري، وعبد القادر العلمي، والتهامي لمدغري، ومحمد الـﮔندوز، والحاج ادريس بن علي لحنش، وأحمد لغرابلي وآخرين كثيرين ستعمل الأكاديمية على نشر دواوينهم تباعاً بإذن الله في إطار مشروع الموسوعة.

وينتسب الشيخ امتيرد – كسلفه المغراوي الذي خصص له جزءها الأول – إلى منطقة الغرفة من امسيفي في جهة تافيلالت الواقعة جنوب شرق المغرب، إلا أنه ولد ونشأ في مراكش حيث كان له دكان لبيع الخضر في "رياض لَعْروس" أو غيرها من أسواق الخضر.

وعلى الرغم من أن تاريخ ولادته ووفاته غير محدد، فمن المعروف أنه في عهد السلطان محمد بن عبد الله كان قد برز باعتباره شاعراً كبيراً مجدداً. وهو ما يكشفه قوله في قصيدة "الحراز" التي يورد فيها من الصفات التي تنكر بها ليصل إلى محبوبته صفة "امْخزني" لهذا السلطان:

من ساعتي ارجعت امخزني مشمور امن اصحاب الملك

الله ينصر سيدي محمد

ويبدو أنه عمر طويلا حتى أدرك بداية النصف الثاني من القرن الثالث عشر الهجري، إذ توفي في أواسط سلطنة مولاي عبد الرحمن ودفن بمقبرة سيدي علي أبي القاسم بجوار مسجد الكتبية تحت منارته، من غير تحديد لقبره.

وفي تعليل تلقيبه بـ "امتيرد" تصغيرا لـ "مترد" بقول بعض الأشياخ إن السبب فيها ضعف بنيته ونحالة جسمه، ويقول آخرون إن هذا اللقب أطلق عليه استخفافاً بمكانته الشعرية البسيطة أول ظهوره في الميدان، ويعزون تفتح موهبته رغم أميته إلى دعاء لأحد الشرفاء الوزانيين أو الشرقاويين كان سبب الفتح عليه إذ سأله عن اسمه، وحين أجاب بـ: "امتيرد" أجابه الشريف: "بل أنت مترد". ويعتمدون في هذا التعليل على قصيدته: "الداوي" التي حربتها:

 

الداوي مالك داوي

بالوصال اجراحي داوي

ما ابْرا جرح ابغير ادوا

مع التنبيه إلى الاعتراف الوارد آخر قسم منها حيث يقول مشيراً إلى ما نهله من الزاوية الشرقاوية:

رايس القرصان اسلاوي

سـرْ لمواهب شرقاوي

اسقاوني سـادتي سقْوا

ويحكى أن السلطان عبد الحفيظ، كان إذا ذكر الشيخ امتيرد في مجلسه يقول: "بل هو مترد امعمر بالتريد". وهي قولة دالة على مكانة هذا الشاعر حتى بعد عصره، يعززها ما يروى عن التهامي المدغري الذي شهد له بالتفوق، معترفاً بأنه لو أدركه لحمل نعله "بلغته"، بل زاد فأكد أنه لو تسنى له أن يعاصره ويلقاه لكان عبداً له:

لو كان احضرت لامتيـرد

كنت انكون لو عبد اشويرد

ولا عجب أن يكون بهذا وغيره "شيخ الأشياخ" في عصره، وأن يعتبر في مراكش: "الفاكْية دالشياخ" أي فاكهتهم، وفي فاس "عرصت لشياخ" أي روضهم. وبلغ من تأثير قصائده على الجماهير، أن المنشدين أطلقوا عليها: "الشَّعَّالة" للجوئهم إليها في تحريك السامعين وإثارة انتباههم إذا ما أحسوا منهم ضيقاً وعدم التجاوب مع ما ينشدون. بل إن الشعراء أنفسهم كانوا منها يستلهمون. وهو ما أعرب عنه التهامي المدغري في هذا البيت الذي يصرح فيه بأن الشيخ امتيرد هو جواز مروره وفاتح الطريق له:

إذا ما خلفت شي اعلى العتبا         دا الشيخ الجيلالي ما ندوز شي

وما ذكرته قبل أسطر من أن امتيرد كان أول من توسل بـ "التعريجة" في الأداء، يرتبط في ذهن العامة بحكاية أسطورية ساقها المرحوم الفاسي تزعم أن الشاعر: "كان يذهب في كل عشية مفرداً لزيارة صهريج ابن الحداد وهو بستان خارج مراكش من باب الخميس. وهذا الموضع مخيف متوحش فيه مياه راكدة ونباتات وحشية، وفي الماء كثير من الضفادع، ولا يقصده أحد إلى يومنا هذا. وكان الجيلالي يجلس هناك للتفكير والاعتبار، فخرجت له ذات يوم ضفدعة وكلمته وقالت له: يا شيخ إنني أريد أن أعرس وأرجو منك أن تحضر عرسنا وتغني لنا، فأجابها: نعم، وطلب منها تعيين الوقت، فقالت له: في اليوم الفلاني في الساعة الفلانية آت إلى هذا المحل. ففعل، ولما حضر في الساعة المعينة رأى نفسه في دار عرس، فقدموا له آلة لم يكن له عهد بها قبل ذلك، وطلبوا منه أن يغني لهم قرب الصهريج، وبيده تعريجة. فرجع إلى المدينة وحكى للناس ما وقع له. ومن ذلك الحين صار يأتي بالمعجز من القول بعطاء من الجنة. وتظن العامة أنه لم يُغن بالتعريجة من قبل، وهذه اختراع من الجنة".

وبعيداً عن التعليل الأسطوري لموهبة الشاعر امتيرد، فإن الناظر في قصائده ينتهي دون أدنى شك إلى أنه صاحب إبداع، إذ نظم على نحو لم يكن معروفاً وبما لم يكن مألوفاً بين الأشياخ المعاصرين له والسابقين عليه. وهو بهذا التجاوز للمتداول والشائع يعتبر مجدداً في الملحون، ولا سيما بما ابتكره سواء من حيث الشكل أو المضمون، انطلاقاً من قدرته الفنية وما أتاحت له من تعبير عما يختلج في نفسه ونفوس متلقيه. وهو تعبير يتسم بالروعة والجمال، وبأسلوب يلتقي فيه الطبع بالصناعة وبالرواية، في غير تكلف أو تثقف.

وفي دراستي المشار إليها قبل، كنت قد ذكرت من جملة أولياته في الشكل إضافته للبحر المثنى وزنا جعل فيه الصدر (الفراش) أطول من العجز (الغطا)، وكذا نظمه على بحر "السوسي" الذي بدا أنسب لقصائد الحوار التي كان له فضل تطويرها، وكانت قد بدأت مع الشيخ حماد الحمري. وفي مجال السبق يذكر له نظم "السرابة" التي يقدم بها للقصيدة عند الإنشاد.

أما في المضمون فأرى أنه أول من نظم في الخمريات وفي الشمعة والخلخال والحراز والضيف والفصادة والخصام والقاضي، وإن كانت قصائده في بعض هذه الأغراض لم تكتب لها شهرة التداول بالقياس إلى ما جاء عند غيره في موضوعها بعد.

وهكذا يتضح أن الجيلالي امتيرد يحتل موقعاً متميزاً يزيد في إبراز تألقه عدد قصائده التي حافظ عليها الرواة والمدونون. وهي في هذا الديوان وبالمقاييس المنهجية التي تخضع لها الموسوعة، تصل إلى إحدى وسبعين قصيدة موثقة، زيادة على ثمان أخرى تنسب إليه. وكان الأستاذ الفاسي قد أشار إلى أن عند الخزان قدور الغزايل كناشا يحتوي على أربع وثمانين قصيدة ؛ وهو كناش مفقود على ما يظهر، وربما يكون صاحب "معلمة الملحون" قد ردد ما كان متناقلاً بشأنه بين المهتمين بالملحون. في حين ذكر لي الأستاذ عبد الرحمن الملحوني رئيس "جمعية الشيخ الجيلالي امتيرد" للملحون بمراكش أن ما تتوافر عليه الجمعية هو نفسه ما اجتمع للأكاديمية.

والجدير بالتنبيه أنه إذا كانت نسبة القصائد إلى أصحابها تستند عموماً وبالدرجة الأولى إلى ذكر اسم الشاعر في آخر قسم منها، فإن بعض الخلط قد يقع في هذا الاسم، ولا سيما حين يتكرر. وقد يزيد هذا الخلط حين لا يسمي الشاعر نفسه، كما عند التهامي المدغري وقدور العلمي الذي تسجل له بعض الاستثناءات في هذا الصدد. على أن ذكر الاسم لا يكفي وحده في التأكد من النسبة، بل يعتمد كذلك على المتداول بين الحفاظ والرواة والمدونين، كما يعتمد على معرفة نفَس الشاعر وما برز فيه أو اشتهر به من أغراض.

من هنا كان الحرص على التأكد من هذا الأمر، حتى لا يختلط شعر الجيلالي بشعر غيره من الذين يشاركونه هذا الاسم، وهم كثر، ومن أبرزهم الجيلالي لحلو الفاسي الذي كان معاصراً له ويعرف بـ "ابن الجنية"، والذي اختلط بعض شعره بشعر امتيرد. فعند الشيخ عثمان الزكي أنه هو صاحب قصيدة "الهاشميا" التي حربتها:

أسلطانــت لريــام مولاتــي ولْفــي الهاشمـيـــــا

يَكْفا من لَجْفا زوريني يا راحتي اوْطبِّي واعلاجي

والسبب تشابه الاسم الذي كشف عنه الشاعر في هذا البيت:

يا مـولاة الــدواح قـال الجيلالـي ضرغــم لحميــا

لَلَّهْ واش من ساعَا محمودا اتشاهد ابهاك اغْناجي

وقد يتخذ هذا الخلط بعداً آخر حين توجد قصيدة منسوبة للجيلالي، ولكن يلاحظ من نفَسها أنها مجرد اقتباس – حتى لا أقول إنها مسخٌ – لقصيدة يتضح أنها الأصل وأنها جيدة مع النسبة لشاعر آخر معروف. من هذا النوع الذي يبدو وكأنه من باب المعارضة، قصيدة "خدوج" التي حربتها:

عوْريـــط الحـــاج  زوريني يا ولفي الحاجَّا

ما نقدشي للملجَّـا    وصْـلـــك نـحـتـــــاج

أجي يالخليلا انفوَّج

وفي أكثر من مجموع أنها لعبد القادر إذ يقول في الآخر:

والــــوغـد الـهـبـــــــاج   نسقيه امن اكيوس الحدجا

واسمي ما يخفا اهل الرجا والــودْبـــــا لَـنــْـتـــــاج

عبد القادر فاضوا خلايجو

ومن المرجح أنه بوخريص. ومن ثم استبعد إدراجها في الديوان، حتى في الملحق الذي يضم القصائد التي تنسب لامتيرد.

أما القصيدة المذكور فيها اسم الجيلالي فتقول حربتها وهي مبتورة:

... مــــــولاة التــــاج              زوريني خدوج الهايجا

يا نعت السرا الّْـدارجا             بوصـالـــك محـتـــاج

واجـي خـدوجـا انفوجـو  

وجاء في آخرها:

فسْـلـــــوك النـــــــغـــاج  نختم هذا الحلاَّ الواهْجا

واسـلامـي بالطـيـب ماهْجا       والاسَــــــم يـــنـْـتــاج

والجيلالي فاضوا خْلايجــو

مهما يكن، فإن التقصي والتحري كانا في طليعة المعايير التي سلكتها لجنة الملحون، سعياً إلى تجنب الخلط الذي قد يشوب نصوصاً معينة أو إهمال نصوص أخرى. وذلكم ما حرصت اللجنة على تفاديه قدر الإمكان. ومع ذلك فإنها ترحب بأي تنبيه أو انتقاد في هذا المجال أو غيره.

ومن الله العون والتوفيق.

الرباط في 8 رمضان المعظم 1429

الموافق 9 سبتمبر 2008م



(25)  القصيدة ص: 30-35.

Publié dans مقالات

Commenter cet article