من شعراء الشعر المغربي العربي الملحون المعاصرين

                                                                 ذ. مـحـمـد بـوعـابـد

 

هذا المقال تم نشره من طرف جمعية هواة الملحون بمراكش
من خلال الكتاب الذي ألف بمناسبة تكريم الأستاذ عبد الله الشليح
وجميع حقوق النشر محفوظة للجمعية


1 ــ على سبيل التقديم: (وهل ما يزال ثمة شعراء شيوخ معاصرون؟)

ما إن يتم ذكر الشعر الملحون حتى يتبادر إلى الذهن أن هذا النمط من القول الشعري العربي المغربي قد توقف أصحابه الشعراء عن الإنتاج فيه، وأنه بذلك يبقى شكلا مرتبطا بالماضي أكثر من ارتباطه بالحاضر، رغما عن أن الدارسين لهذا الفن ــ الجامع بين القول الشعري المتوسل باللسان المغربي العربي الدارج وبين التطريب الغنائي والموسيقي ــ يؤكدون في بحوثهم ودراساتهم أن شيوخ السجية،  أي شعراء الملحون، ظلوا يبدعون النصوص الشعرية التي يتم تداولها بين المولعين ويتم إنشادها من قبل المنشدين، أي شيوخ الڱريحة، ويحصل تجميعها وتخزينها من لدن الخزانة، إلى حدود اللحظة الراهنة. وللدارس المهتم أن يسجل أن الشعراء  الشيوخ المعاصرين قد غدوا يبرزون في مختلف مدن المملكة (مراكش، فاس، سلا، الصويرة، أزمور...)،وراحوا يظهرون إنتاجاتهم الإبداعية، وإن لم يعودوا يتكاثرون نفس تكاثرهم خلال ما كان يعرف باسم "صابة" الملحون(أي مرحلة الازدهار)، ورغم ندرة الاهتمام بما ينتجونه وعدم بثه عبر وسائل الإعلام الورقية والسمعية البصرية، ومع أن الهيمنة ــ في اللحظة الراهنة ــ تبدو لمن عملوا على تسمية أنفسهم بال"زجالين"، والذين يظل الشعر الملحون واحدا من أرقى المرجعيات التي يمكنهم أن يستندوا إليها، جنبا إلى جنب رباعيات سيدي عبد الرحمان المجذوب، وأشكال العيطة، إلخ...   رغما عن الاستسهال الذي أضحى يعرفه هذا المجال من قبل العديد ممن يركبون موجاته، إذ يرتدون جبة المجذوب في أحسن الأحوال، أو تعمد الغالبية العظمى منهم إلى رص الكلام العادي الذي يتم تداوله في الحياة اليومية، ولا ينم على أي إبداع أدبي، مثلما لا يفيد الدلالة على أي حس جمالي، وبالتالي لا ينبئ عن موقف معين، ولا يصور أية رؤية محددة للكون وللإنسان.  

ومن المعلوم أن طائفة من الشعراء الشيوخ، المعروفين باسم شيوخ السجية، ظلت، خلال القرن العشرين،  محافظة على هذا الإرث الثقافي والفني، ولبثت عاملة على استمرار تداول نصوصه بواسطة الإنشاد وعن طريق التدوين والنسخ. وقد ساعدتها على تحقيق هذا المشروع، ذي الأبعاد الحضارية الثقافية والفنية، ثلة من شيوخ الڱريحة المنشدين، والحفاظ، والخزانة، علاوة على المساندة المادية والمعنوية المقدمة من طرف أعداد من الولعين ــ المنتمين لجموع الحرفيين، والصناع التقليديين ــ الذين واصلوا الالتفاف حولها، لكي تستمر في ممارسة تقاليدها الفنية الثقافية ذات الأبعاد الاجتماعية (نقصد التجمعات الفنية التي يتم تنظيمها مساء كل خميس في بعض المدن كمدينتي سلا و تارودانت.. أو مساء كل جمعة في مراكش مثلا من قبل أعضاء الجماعات التي كانت ملتفة حول واحد أو عدد ممن يعتبرون شيوخا ينظمون الكلام، وهي اللقاءات والتجمعات الفنية التي أصبحت تعرف باسم الجُمَعيات وغدت تنظم من طرف الجمعيات المهتمة بهذا الفن.)، ولكي تعمل على الرقي بممارستها الجمعوية إلى أمداء مكنت من السمو بهذا الفن والأدب إلى إيلائه البعض من العناية اللازمة من قبل الدارسين في الجامعات، وإلى تنظيم لقاءات ومهرجانات تتمحور أشغالها حوله (ففي سنة 1970 نظمت وزارة الثقافة التي كان على رأسها العلامة محمد الفاسي المهرجان الأول لرجالات الملحون بمراكش، واستمرت جمعية هواة الملحون على تنظيم العديد من الملتقيات وعملت على إعادة الحياة إلى مشروع تجميع أهل الملحون في إطار جمعوي شامل سنة 2010، وكذلك دأبت جمعية الشيخ الجيلالي امثيرد على تنظيم العديد من المهرجانات منذ أواسط السبعينيات من القرن العشرين، مثلما نجد غيرهما من الجمعيات التي تنشط في بعض المدن العتيقة ما فتئت تنظم مهرجانات تتمحور أشغالها حول هذا الفن نذكر منها مهرجان سجلماسة، ومهرجان فاس...). وإذن فبفضل هؤلاء الشيوخ المبدعين لنصوص شعرية ملحونة جديدة تناولت قضايا ومستجدات العصر، وبفضل الحفاظ والمنشدين للنصوص المتوارثة منذ الشيوخ (المصمودي والمغراوي وامثيرد وغيرهم)، وبدعم من هؤلاء الولوعين والمحبين لهذا النمط من القول الشعري المغربي العربي الملحون ، أمكن الرقي بالعمل الجمعوي المتمحور حوله، كما كان من الممكن إيصال هذا الفن إلى الشباب، عبر بعض المعاهد الموسيقية، ومن خلال الفنون الحديثة كالمسرح وأغنية الأجيال، مثلما تمكن الباحثون في الجامعات من الحصول على نصوصه لكي يجروا عليها دراساتهم التي تطول أشكاله الفنية وأعاريضه، بلاغته وموضوعاته، ارتباطاته بغيره من الأشكال الفنية وبكل مستويات الثقافة والحضارة في مغرب القرون التي توالى فيها حضوره وإشعاعه، بل لقد تمكن العلامة محمد الفاسي من إصدار الأجزاء الستة من "معلمة الملحون" التي اشتملت على الدراسات والبحوث التي أجراها على هذا الشعر، والتي احتوت تراجم وتعريفات بعدد كبير من شعرائه الشيوخ، كما تضمنت عددا لا بأس به من النصوص في مختلف الأغراض (العشاقي=الغزل، الربيعيات=وصف الطبيعة، التصليات والأمداح...). وبعد ذلك استطاعت أكاديمية المملكة المغربية، برئاسة وإشراف من لدن الدكتور عباس الجراري وعضوية ثلة من الخزانة والحفاظ والأساتذة الباحثين، أن تصدر دواوين لأهم شعراء الشعر الملحون (نذكر منهم: المغراوي، امثيرد، ولد أرزين، العلمي...).

وإذا كان الدكتور الجراري قد اعتبر الشعراء الشيوخ الذين تيسر لهم أن يظهروا خلال القرن العشرين (من أمثال ابن علي الفلوس والعيساوي الفلوس ومحمد بن عمر الملحوني ومحمد بلكبير ومحمد العوفير...) يمثلون استمرارا لمرحلة الازدهار، أو لنقل إنهم بالضبط يشخصون بعض ممثلي الحقبة الثالثة من هذه المرحلة بما أنهم قد شكلوا ـ بحسب د.الجراري ـ ((... آخر بريق لنهضة الزجل.)) [الزجل في المغرب: القصيدة]. فإن من الشعراء الشيوخ المعاصرين الذين ظهروا بعد هؤلاء السابقين، والذين ورد ذكرهم في ما أخرجه إلى القراء والباحثين رائدا الاشتغال على هذا الفن والأدب، أعني كلا من الأستاذ العلامة محمد الفاسي، والأستاذ الدكتور عباس الجراري، نجد الأسماء التالية: الشاعر الشيخ الحاج أحمد سهوم، والشاعر الشيخ عبد المالك الأيوبي، والشاعر الشيخ الأستاذ عبد المجيد وهبي... ويمكن للباحث أن يضيف إلى هذه اللائحة أسماء شعراء معاصرين آخرين أورد ذكرهم الأستاذ فؤاد جسوس، حين ترجمته إلى الفرنسية للبعض من إبداعاتهم الشعرية الملحونة وإخراجها ضمن مصنفه المعنون: "أنطولوجيا الشعر الملحون المغربي Anthologie de la poésie du Melhoun marocain" من أمثال: محمد النميلة، محمد الحضري، مولاي إسماعيل السلسولي، إدريس رحمون... وإلى جانبهم يمكن لنا أن نذكر أسماء البعض ممن نعرفهم من الشعراء المبدعين المعاصرين الذين لا يزال صيتهم منحصرا بين أقلية من الولعين والمتابعين: الحاج عمر بوري، وأحمد بدناوي، والدكتور فؤاد اليوسفي، وعبد الإله المعتصم... ورغم كل هذا علينا أن نتحفظ من كل ادعاء أجوف، أو زعم واهم وواهن، قد يستفاد من ما سجلناه أعلاه، فنحن لا نروم إفادة الدلالة على أن هؤلاء الشعراء المذكورة أسماؤهم هم كل شعراء الملحون في اللحظة الراهنة، فلا بد أن هناك غيرهم ممن لم تتيسر لنا إمكانية الإطلاع على أشعارهم، ما دام قد بلغ إلى علمنا أن ثمة من يكتب الشعر الملحون بالفرنسية وينشده في بعض المحافل، وبما أن هذا النمط من القول الشعري الملحون لا ينحصر إبداع نصوصه وإنشادها على المغرب الأقصى، بل يمتد إلى المغرب الأوسط.  

2 ــ أهم خصائص ومميزات شعر شعراء الملحون المعاصرين:

 سجلنا في ما سلف أن الشكل الشعري المهيمن على الساحة المغربية في الوقت الحاضر يظل هو ما أطلق عليه أصحابه اسم"الزجل"، إذ ما نفتأ نستقبل العديد من المحاولات والكتابات التي يتقدم بها أصحابها، مجنسين إياها ضمن هذا المجال من القول الشعري. وقليلة ــ حد الندرة ــ هي المحاولات والكتابات التي تفصح عن انتمائها إلى مجال القول الشعري العربي المغربي الملحون.

وإذا كان الشعراء الشيوخ، الذين أبدعوا قصائد الملحون منذ مئات السنين، ينتمون في أغلبهم إلى فئات الحرفيين، كما في أقلهم إلى بعض الفئات الاجتماعية العليا: كالعلماء والتجار والأمراء والملوك. فإن الشعراء الشيوخ المعاصرين ينتمون إلى الفئات الاجتماعية الوسطى المتعلمة، إذ أضحينا نجدهم في الغالب الأعم متعلمين، فمنهم الأستاذ المدرس، ومنهم المحامي، والطبيب. وكان القدماء من شعراء الملحون قد استندوا في ترويج وإشاعة أشعارهم على شيخ الڱريحة(=المنشد)، والحفّاظ (=الراوية لشعر الشاعر)، وعلى الخزّان(المدوّن لذلكم الشّعر، والعامل على صيانته ومواصلة تداوله عبر الزمن). ويبدو أن شعراء الملحون المعاصرين ما يزالون يتابعون السير على نفس النهج، رغم توفر إمكانيات التداول الورقية والسمعية البصرية والإلكترونية، ذلك أننا لم نجد منهم من عمل على إصدار ديوانه الشعري الورقي، توفيرا لمادة شعرية قابلة للغناء وممكن إخضاعها للدراسة، سوى الشاعر الأستاذ محمد النميلة الذي عمل على إخراج ديوانه الموسوم"صيحة القلب" في صيغتين: صيغة الديوان الورقي، وصيغة الديوان المسموع في شكل CD.

ويمكن لقارئ الشعر الملحون المعاصر أن يتبين كيف أن شعراءه يسيرون على نهج أسلافهم من حيث المضمون كما من حيث الشكل الفني، فيوظفون نفس المعاجم اللغوية، ويعالجون ذات الموضوعات والتيمات التي تمت معالجتها من قبل هؤلاء الأسلاف، ولا يتوانون عن استثمار نفس الآليات البلاغية والعروضية التي استكشفها واشتغل بها أسلافهم هؤلاء. ويمكن أن نمثل لذلك بما ورد ضمن غرض الغزل المعروف عندهم باسم "العشاقي"، والذي لا يبعد فيه الشاعر الشيخ عن استنساخ نفس المعطيات التي نلفيها عند من سبقوه إلى القول في نفس الغرض. كتب محمد الحضري في قصيدة"نبيلة" قائلا:

((يا اللي صلت على البنات، يا ضيا نور هلالي/يا العذرا يا تاج الزين يا غزالي نبيلة

جار عني الغرام  يا لايمي وحرك لقتالي/هاكذاك افناني يا من اتسال والذات انحيلة

الغرام أوعدي حربو صعيب جرد الانصالي/جار عني وقهرني فاللطام بسيوف اسقيلة

هاكداك أنيا سيدي سكن وسط ادخالي/كيف نعمل واش المعمول نار الغرام شعيلا

نار الغرام ما تطفيها بحور يا اللي يصغى لي/غير من نهواها تشفق من عدابي الطويلا

روح داتي ومنا قلبي علاج ضري وعلالي/يا ترى تنعم لي نرمي حمول كداري العليلا))

وبإمكان المطلع على قصائد الغزل "العشاقي" في الملحون أن يلاحظ كيف استعاد محمد الحضري في لغته ومعالجته لموضوعه نفس الآليات التي ألفنا الإطلاع عليها منذ الشعراء الشيوخ القدامى، فالغرام يتقدم عنده في صفة كائن ظالم وقادم متسلحا يروم المواجهة الحربية. وفي نفس الغرض الشعري يقول الشاعر الشيخ محمد النميلة في قصيدته التي عنوانها "الشيك":

((هذاك الشيك أحبيبي دفعو فحسابك وصبر /لولا ملزوم بالفقر/ نسخى بكثير في جمالك لكن اليد قاصرا

      ما ناش وزير ليه ديوان وفيه مشاوري اسمر /يامر ويعاود ينهر/طاعة لفخامتو يجريو الكل يقول ما جرا

ما نا قايد يا حبيبي باشا فمدينة الحضر/ وعلى شانو على الكبر/ عايش فالخير كيمثالو والمونة ليه حاضرة

ما نا سياسي محنك والحزب بي شهر/طامع شلا على الدهر/ نصبح والي على مدينة ولا سفير يا ترا

ما ناش طبيب ماهر يداوي للمعلول كل ضر/ والمال التايق ينهمر/ شايط عليه خير شلا بالعيادة العامرا

ما نا محامي يرافع فيديه الصولدي وفر/ ڱاع القاعة إلى هضر/ تصمت وتصيغ له كلمة فالقضية الواعرا))

وإن القسم الذي استشهدنا به من قصيدة محمد النميلة ليمتلئ بالألفاظ والعبارات الدالة على ما هو اجتماعي بحمولة جديدة، نذكر منها: ((الشيك ــ دفعو فحسابك ــ سياسي محنك ــ الحزب ــ والي ــ سفير ــ العيادة ــ محامي يرافع ــ القاعة ــ القضية )). وتجاورها ألفاظ تحيل على ما هو تقليدي، يستمدها الشاعر الشيخ من الموروث الثقافي والاجتماعي المغربي، نذكر منها: (( أمشاوري ــ قايد ــ باشا ــ أعلا شانو ــ المونة ــ المال التايق ــ الصولدي.)). والحديث في هذا النص الشعري تتوجه به الذات الشاعرة إلى من تناديه: ((أحبيبي!))، مما يدفع المتلقي له إلى اعتباره ــ كما أشرنا ــ نصا غزليا، يعبر فيه الشاعر عن عواطفه تجاه هذا المخاطب، ويصور فيه ــ في الوقت نفسه ــ مظاهر من الواقع الاجتماعي، مفصحا عن موقفه من الفقر المادي والفقر الفكري والإبداعي الذي أضحى يعانيه الأدب والشعر الملحون بالأساس. فمما يقوله محمد النميلة في القسم الثالث مصورا حالة من الفقر الواصلة حد العدم:

((ما لي ف البيت غي حصيرة مليت عييت ما نشر/وايزار قديم للسمر/ ولحافة منها الحلفة بانت وشتاقت إبرا

والخزنة من قصايد الشيخ الجيلالي وبوعمر/والملكيات د الجفر/ والمعلمة على كتاب الملحون وفيها برا...))

لينتهي إلى القول في القسم الخامس ما يفيد الدلالة على تأسفه للحال التي أضحى يعيشها الشعر الملحون:

((أنا المولوع بالنظام والقوافي رايق الشعر/عندي موزون والنثر/ شيخ فلكلام والسجية من فضل الله وافرا

لكن الشعر أحبيبي ما لو فزمانا اقدر/ والشاعر كيدوق مر/ ما لو قيمة ولا مرتبة راني بڱرايحي درا

آش المعمول في بلادي والكلمة لونها اصفر/ والكاتبها سوى صفر/  والموهوب أحبيب قلبي قتلوه بلا مشاورا

نبكي أنا على الملحون أهلو حفرو لو قبر/من قبل نهاية العمر/ دفنوه الرافضين تطويرو ما قبلو محاورا...))

وانطلاقا من هذه المحاولة في مقاربة هذا النص الشعري لمحمد النميلة، يمكن القول إن هذا الشاعر مثلما حاول التجديد على مستوى المعجم اللغوي، سعى من أجل تجديد المضامين الشعرية وجعلها مسايرة للواقع المعاصر. إذ لاحظنا كيف أن الألفاظ الحاملة لمعان حديثة تحضر بقوة، وكيف تحول غرض الغزل في هذا النص إلى مناسبة لتناول غرضين اثنين: أولهما تصوير الوضع الاجتماعي الذي يعيشه الفقراء، والثاني تصوير الوضع الفني الذي يعيشه الشعر الملحون والدعوة من خلال ذلك إلى العمل على تطويره أشكالا ومضامين.

استنادا إلى كل هذا نخلص إلى أن شيوخ الشعر الملحون المعاصرين يتراوحون بين السير على نهج أسلافهم، وبين العمل من أجل التجديد، خاصة على مستويات: المضمون، واللغة: معاجم وأساليب، والتصوير الفني. ولكن، يبقى الإيقاع الموسيقي (الخارجي والداخلي) في حاجة ماسة إلى الدراسة العلمية لسبر أغواره، ولإقدار الشعراء الشيوخ على التمكن من التجديد فيه.

3  ــ الشيخان الأحمدان، والسعي نحو تجديد الشعر الملحون:

رغبت في تخصيص هذه الفقرة الأخيرة للحديث عن شاعرين شيخين من شيوخ الشعر الملحون المعاصرين، يشتركان في حمل نفس الاسم، ويتوفران على حضور متميز في ساحة الإبداع الشعري المغربي العربي الملحون، كما يتميزان ــ في اعتقادي الشخصي ــ بسعيهما الحثيث نحو المساهمة الفعالة في العمل من أجل تجديد هذا الشعر.

1ـ 3 ـ الشيخ أحمد سهوم: يحضر هذا الشاعر الشيخ بقوة وطنيا على مستوى ساحة الإبداع الشعري المغربي العربي الملحون. وكما يحضر بأشعاره التي يتم التغني بها في العديد من المحافل والمهرجانات، فإنه يحضر في ذاكرة المستمعين للبرامج الإذاعية التي كانت تبثها الإذاعة المغربية وطنيا منذ ستينيات القرن الفارط وحتى السنوات الأخيرة. إنه الحاج أحمد سهوم، الذي ولد سنة 1936 بمدينة فاس ضمن أسرة شديدة الفقر وكثيرة عدد الأبناء. وتبنته امرأة ميسورة الحال، ثم بعد التعرف عليه من طرف الشاعر السيد إدريس العلمي((... وهو يومئذ من هو في شعراء الملحون...)) تم الزج به في عوالم الشعر الملحون بقوة، إذ غدا منشدا وراوية لأشعار هذا الشاعر. كما أنه ــ بعد ارتباطه بمهنة الخرازة ــ تمكن من الارتباط بالعلم والمعرفة وبالسياسة وطنيا ودوليا، فقد قال في استجواب أجرته معه جريدة "شؤون جماعية" خلال يناير 1993 : ((... لقد تعلم أحمد سهوم داخل السور بفاس القديمة، وبالضبط في حي مولاي عبد الله، مبادئ الخرازة في دكان الخراز محمد الطالب. وفي هذا الدكان كان يجتمع الناس من مختلف المستويات والاهتمامات، يتبادلون الفن والعلم والأفكار الوطنية، وجديد الأخبار المحلية والدولية. فكنت تجد بهذا الدكان الأمراء.. (...) وكنت تجد إلى جانبهم العلماء والفقهاء. وكان يتردد عليه المرحومان علال الفاسي ومحمد بلحسن الوزاني، قبل أن تفرقهما السياسةǃ كان ذلك بين سنوات 1945 و 1947 قبل سفر المرحوم محمد الخامس إلى مدينة طنجة سفرته المشهورة. في تلك الفترة التحق أحمد سهوم بمدرسة القرويين. لكن سلطة الملحون عليه كانت قوية، فقد ترسبت في وجدانه كأمواج جارفة، ولم يشعر طالب القرويين إلا وهو محاصر من كل جانب بالملحون، يقرأه ويفسره، باحثا عن مصادره وروافده، منشغلا به إلى درجة التصوف.))

ونعلم أن هذا الشاعر الشيخ اشتغل موظفا في وزارة الثقافة خلال السبعينيات، وأنه كان من المشرفين على تسيير جلسات المهرجان الأول لرجال الملحون الذي نظم سنة 1970 بمدينة مراكش، كما نعلم أنه قدم العديد من البرامج الإذاعية التي قدم فيها مقارباته للكثير من القضايا المتعلقة بفن الملحون، والتعريف بشيوخه، وقد أصدر سنة 1993الطبعة الثانية من مؤلفه الذي عنونه ((الملحون المغربي)). لكنه، لحد الساعة، لم يصدر قصائده وسراباته الغزيرة والوفيرة في أي شكل من الأشكال الكتابية أو السمعية.

وقد تمكن الحاج أحمد سهوم  من استيعاب وتمثل هذا الموروث الشعري المغربي، فكان هذا بالتالي هو ما أهله لأن يبدع العديد من نصوص الشعر الملحون، مستثمرا لغته العربية الفصيحة والمغربية الصريحة لتناول ما سلف للقدامى من شعراء هذا الشعر أن تناولوه في أزمنتهم، مع إسباغه إياه بسبغة تنضح بما يشي بأنه من إبداع أحمد سهوم، إذ نلفيه معبرا عن رؤية للكون وللإنسان تمتاح من الثقافتين العالمة والشعبية، وهي رؤية تنفتح على كل الآفاق، وتستفيد بذكاء من كل التجارب الشعرية والرؤى الإنسانية. فلغة الحاج أحمد سهوم تستمد نسغها من جمعه بين تجذر معرفته بهذا الأدب المغربي الصميم وإطلاعه على الأدب والفكر العربي القديم والحديث. وتصويره الفني تمتزج فيه المعرفة بالإحساس العاطفي الذي يحمله لموضوعه بخياله الدفاق. فمثلا يقول في حق الشعر الملحون مستثمرا معرفته بنشأته وترعرعه، وصابغا ذلك كله بما يحمله وجدانه من محبة لمدينة البهجة الحمراء:

((هذا الملحون زاد في سجلماسة === واللي نشؤوه كلهم ناس دراوش

انشأ بين اجريد علا وعسى === يكبر بين اجريد يبدا ينتاعش

ودرك ما راد فالترابي واتواسى === حيث تربى ترابي لفشاوش

ربّاتو لالّة البهجة بكياسة === وصبح بين الفنون يفخر ويفايش

وفضل هذا البلاد ما كيتناسى === عند ناس الفن من مضى واللي عايش

حياك الله يا مدينة مراكش))

ففي هذا "العروبي" يخبرنا الشاعر بأن الشعر الملحون نشأ أول ما نشأ في منطقة تافيلالت، وبالضبط في مدينة سجلماسة، ثم كان له أن ينمو ويترعرع في مراكش، التي يفصح الشاعر عن أن لها فضلا معترفا به من لدن (ناس الفن من مضى واللي عايش)، ليأتي في آخر شطر فيفصح عن عاطفته تجاه هذه المدينة من خلال الدعوة لها بالحياة. وهذا الشطر الأخير من العروبي يسمى "الردمة"، وفيه يختزن الشاعر كل ما رامه من صياغة النص ككل.

ولعل من خلال هذا النموذج نستطيع أن نلاحظ كيف تمكن الشاعر الشيخ أحمد سهوم من استثمار لغته العربية المغربية لمعالجة موضوع جديد في ديوان الشعر الملحون هو نشأة هذا الشعر نفسه وتبلوره بين سجلماسة ومراكش. ويفضي بنا هذا إلى الوقوف على تجربة تجديدية أخرى أنجزها هذا الشاعر الشيخ وتضمنها كتاب "أنطولوجيا الشعر الملحون المغربي". وقد قدم لها صاحب هذا المصنف فؤاد جسوس بكلمة، مما ذكر فيها: أن الشاعر فيلالي الأصل، وأنه يقطن الصويرة بعد ما قطن فاس وسلا، وله رصيد من الأشعار مهم جدا، تطرق فيه (... إلى مواضيع شتى، الحديثة والفلسفية وغيرها.). يقول الشيخ أحمد سهوم تحت عنوان:

((شعر عن الشعر))

((شوف الشعر أ صاح كيف واتاه التاج ؤ كيف  جالس على عرش التعبير

ها هو في قبة النصر واجناس القول في احضرتو أومارة

شوف الأرض أ صاح بارزة في حليها وحللها ف جو اللا ليه نظير

شوف الوان عرست المطر عد الوان الفنون في كل عمارة

شوف حراج نواور العفا كي طهجات اليوم والنحل ف الحرجات كثير

إيدندنوا للورد والزهر والفراش يتراقص بلا فتارة

واسمع لي يا صاح هارموني د صبيهان الاطيار سوسان مع سنتير

والرش مع التعارج والطر وحصور كيف ك يجي بلقيتارة

أو ملك القول جالس على عرش التعبير شوف محيا وجه الخير

فاق بضيو طلعت البدر أو ف لوهج فايق على الزهرة

شوف أصاح النور والضيا والسنا واستنشق لعطر والطيب أو لعبير

عيش معانا يومنا الغر تكريم الشعر فيه مجد الشعارة

===

أو الشعر اللي كرموه عشاقو في هاذ الربيع دفقة من فيض غزير

بالشعور أو باش أما اشعر يتدفق في حروف تجمع عبارة

أو حديث النفس كلما حسات ب إحساس خرق عادة يخرج تفسير

لكل ما جد من أمر أو ف تفسيرو الكشف عن ما يتوارى

أو كلام القلب تيقولو للناس بلا الفاظ معروف القلب اخبير

ويلا يخبر صادق الخبر منو يستلهمو عقول الخبارى

تيهدم ويعاود يبني ويشطب ويعاود يمحي مبلي بالتغيير

كما كان ف قادم العصر باقي للآن فيه الادهان حيارى

أو جاو اللي عرفوه بأنو قبض ريح هكذا قالوا فالتنظير

قبض ريح أو ساعة يظهر يشعل في كل درب للناس منارة

===

قبض ريح الشعر ويبعث ذكريات الروح ف المقام العالي لعطير

والنفخة د الروح من أمر رب العزة ؤ جات تصنع حضارة

قبض الريح  أو صاغ وجدان ابنادم مسكين من قبل ياتيه التذكير

ونشأ ذوق السمع والنظر يتذوق بيه ما يسمع ؤ ما يرى

قبض الريح الشعر ؤ يحيي أمم ؤ يفشي الآمال ؤ عندو تأثير

على العقل والذهن والفكر ؤ ف المهجة يقيم حضرة عمارة

قبض الريح ؤ قادر يحملنا من ليل اللغط والظلام الى يوم التنوير

ويقيم النهضات وينشر عبق الماجدين ف الدار ؤ دارة

قبل الحرف الشعر كان يتماوج بين ابنادم لخرس يسر لو العسير

بالملمح واللمس والنظر والعبارة خلاقت من الاشارة

===

ونهايت قولي الشعر نفحة من عالم الخلود لو جات العمر قصير

يعمر ما طايل الدهر ؤ ف الملحون بنسليمان إيمارة

أما من كانوا هنا ؤ ماتوا و تنساوا و فناوا ما عاد لهم ذكير

ؤ كانوا بالجاه والقدر ومنين امضاوا ما بقات لهم شارة

هوميروس ؤطاغور ... والخيام ألدابا باقيين حيين ؤ غير ؤ غير

ذكر امرئ ألقيس ما فتر والهذالي ؤ عنترة والشنفرى

ؤ جلال الدين، ؤالمتنبي، والتلميذ... مولى منطق الطير

ومن المغراوي للحبر وقبل منو ؤ بعد صفوة مختارة

هاك أراوي شعر عن الشعر أو كما هو الشعر ما شي ولد التفكير

ؤ ما شي ف الخاطر إيخطر، ف المهجة فين المنابع همارة

قلب يحب الشعر قلب راقي ذواق رهيف قلب نوراني قلب كبير

يتاسع لله ف الكبر، عساك الخلق على الأرض السيارة

واسمي ما يخفى على هل الفن أحمد سهوم طالب السراج المنير

يغفر لو في ساعة يحشر، ومع مسك الختام تاتي ليغارة

صلى الله على اللي استمع بين اصحابو لما نظم كعب بن زهير

ؤ جازو بالبردة ستر، وعفا عنو ؤ صار فهل لخيارا))

ويكفي ــ في اعتقادي ــ أن نتأمل هذه القصيدة فندرك كيف تعامل الشيخ أحمد سهوم مع موضوعه فيها، وأن نتذوق مستمتعين باللغة التي توسل بها لصياغة رؤاه، ونستكتشف كيف أنه عمل على الدفاع عن الشعر والحاجة إليه في الحياة الإنسانية، مستثمرا معارفه التي استمدها من الثقافتين الشعبية والعالمة، والتي تفصح عنها ألفاظ وتعابير عالمة من قبيل: (الشعر ... دفقة من فيض غزير ــ حديث النفس ــ  تيهدم ويعاود يبني ــ قبض ريح هكذا قالوا ف التنظير ...)، وذكره لأسماء الشعراء الأعلام ذوي الصيت العالمي الذين لم يسبق لنا العثور عليهم عند شيوخ الملحون السابقين على الشيخ سهوم: (هوميروس اليوناني صاحب ملحمتي "الإليادة" و"الأوديسا"ــ طاغور الهندي ــ عمر الخيام الفارسي صاحب "الرباعيات" ــ جلال الدين الرومي صاحب "المثنوي" ــ فريد الدين العطار النيسابوري صاحب "منطق الطير")... لقد شخص سهوم الشعر وجسده في صورة ملك يحكم على كل أنماط التعبير الأخرى، وربط ذلك بمناسبة تحبيره لهذه القصيدة:

((عيش معانا يومنا الغر تكريم الشعر فيه مجد الشعارة)).

وكم كان بودي التوقف عند تجربتين شعريتين أخريين أبدعهما الشيخ أحمد سهوم، تتصل أولا هما برثاء الشيخ الحفاظ محمد بوستة الصويطة، وقد اعتمد فيها آليات التشبيه والاستعارة لتناول موضوعات الصحبة والموت، واستثمر رموزا استمدها من عالم الطيور للحديث عما يجمعه بصديقيه المنشد الشيخ محمد بوستة والشاعر الشيخ عبد المالك اليوبي. وتتعلق الثانية بنص يبدو في ظاهره مندرجا ضمن خانة الشعر العشاقي "الغزل"، لكننا بالإنصات لنبضه العميق نستشف أن الشاعر يتناول فيه موضوعا فلسفيا هو هذه القدرة التي يتميز بها الكائن الإنساني والتي نسميها العقل، وقد امتزجت فيه معاني الإحساس والفهم والحدس والقدرات على التفاعل مع الوجود، وقد كنى عنها باسم علم هو "نهى"، وجاء بلازمتها كما يلي:

(( هي للنهور ضياه والعطر هي ليه اشداه/ ونيا باقي طين كيف كنت أو رفعت لي جاهي/ ملاكي نهى))

2 ـ 3 ـ أحمد بدناوي: امتلك أحمد بدناوي ويمتلك حضورا محترما ومعتبرا في ساحة الشعر الملحون، باعتباره أولا منشدا ذا صوت رخيم، وعازفا على الآلات الوترية التي منها العود والسويسن، وبما أنه ـ ثانيا ـ يعد حفاظا قد تمكن من إتقان رواية النصوص الشعرية الملحونة، ثم نظرا لضبطه للموازين العروضية والموسيقية التي صيغت وفقها روائع هذا الفن. وقد كان له منذ عقود أن يشارك منشدا وشاعرا مبدعا في العديد من المحافل والمهرجانات التي تتمحور أشغالها حول الشعر الملحون، كمهرجان سجلماسة، ومهرجان فاس، وغيرهما...

 وقد ولد أحمد بدناوي سنة ( 1964) في مدينة مراكش، ضمن أسرة متوسطة الحال، فقد كان أبوه يمتهن الخرازة، وأمه ربة بيت تقليدية. وقد وفرت له أسرته إمكانيات متابعة دراسته إلى أن حصل على شهادة الباكالوريا، ثم إلى أن ارتبط بالدراسة الجامعية. غير أن عشقه لإنشاد قصائد الشعر الملحون، الذي كان قد بدأ عنده منذ كان تلميذا بالتعليم الإعدادي، كان قد تمكن منه تمكنا قويا، بحيث غدا لا يهتم سوى بهذه الوريقات التي تضم قصائد الشعراء الشيوخ الذين تم توارثها، وأضحى لا يجالس إلا "شيوخ الڱريحة" المنشدين المتميزين بأصواتهم الجميلة وأدائهم الرائع، من أمثال: الحاج امحمد بن عمر الملحوني، وأحمد الزاهيني الشهير بقجاح، ومحمد بوستة الصويطة، ، وأحمد أمنزو... وذلك بعد ما ارتبط بالجمعيات التي ينتسب إليها هؤلاء الشيوخ، ثم بعد مشاركته في تأسيس جمعية"اليوسفية" سنة (1993). وهي الجمعية التي كان ومازال يمثل شاعرها الذي تتغنى بأشعاره: قصائده وسراباته.

وبحسب ما اطلعنا عليه من شعر هذا الشاعر، فقد شرع يقرض الشعر الملحون سيرا على نهج أسلافه متناولا نفس الموضوعات والأغراض ذاتها، ثم حاول في العديد من إبداعاته الشعرية الملحونة أن يعمل على الرقي بلغته لتبلغ مستوى من الشفافية وأفاقا من التعبير المنزاح عن مألوف القول. فقد وجدنا بعض قصائده الأولى تنحو منحى الاستفادة من الموروث الشعري الملحون، من حيث إنه يشتغل فيها على أغراض سلف للأشياخ السابقين أن تناولوها. لكن أحمد بدناوي لا يعيد صياغتها وفق نفس الرؤية التي سبق للأقدمين من الشيوخ أن تناولوها بها، ولا يستخدم نفس المعاجم التي استعملوها، بل يعمد إلى الابتعاد عن المألوف منها، ويستعمل الكثير من الفصيح التي تعودنا قراءته ودراسته في قصائد الشعر المعرب، الذي يسميه د. عباس الجراري "الشعر المدرسي". بحيث يكاد القارئ لهذه النصوص أن يجد نفسه أمام شعر معرب، وليس شعرا ملحونا. فمثلا يقول في القسم الأول من قصيدة غزلية، تقول حربتها:

((راقبت مجيك اليوم فخيالي/ وغنيت عن وصال رجيتو هذا شحال ليس انظرتو بنجال.

===

جن الديجور وغيب هلالي/ شمسي على بطاحي غربات وصار كالبهيم نهاري وكحال

ميسور نهار وليل فليالي/ ليلي على رسامي رسا بجناح ما نوى يسري بالترحال

وانا فدجاه يسير فغلالي/ فاني وحيد من فقد هلال الزين من ضحى منها رسمي خال

من يوم مضات بقيت فوحالي/ لا نوم لا هنا لا راحة غير الاشواق بلظاها دمعي سال

نرثي مثل الورشان فطلالي/ واللي هويتها يا وعدي فبلاد مانعة بمسايف وميال

تجرع بالشوق مراير بحالي/ البعاد ما نويتو عمري ولا فيوم كان خطر لي فالبال.))

فلنلاحظ كيف أن غالبية ألفاظ وعبارات هذا القسم تظل قابلة لأن تقرأ قراءة الكلام المعرب، وكيف أنها تفيد الدلالة على معاني الظلام الذي يمكن أن نشتق منها الظلم والحزن. فالذات الشاعرة تتحدث عن الظلم الذي تعانيه، والمتمثل في الفقد (( فقد هلال الزين من ضحى منها رسمي خال ))، والمتجسد في  الأسر(( ميسور نهار وليل فليالي))، ((وانا فدجاه يسير فغلالي)). وهو مايستتبع أن هذه الذات الشاعرة تعاني مما سمته الفناء، وتقاسي من الوحدة، نتيجة للبعاد ((فبلاد مانعة بمسايف وميال)) عن هذه المحبوبة التي هي الأخرى تعاني مرارة الشوق مثل محبوبها، ولذلك تأتي هذه القصيدة حاملة لمعاني البكاء ((نرثي مثل الورشان فطلالي)). فأن تبقى الذات الشاعرة بعيدة عن المحبوبة، وأن تكون المحبوبة بعيدة تتجرع كذلك مرارة الشوق، هو ما يبرر الحديث عن الرثاء، ووصف مكان الإقامة باعتباره أطلالا. وقد يكون بإمكان القارئ لهذا النص الشعري، أن يتبين كيف أن الشاعر عمد إلى استغلال السرد ليعبر عن عاطفة الحب، وليحكي عن بعاد المحبوبة في بلاد الغربة، ومعاناة الذات الشاعرة من الغربة حيث تقيم. وليبين ذلك فقد اتخذ الحلم وسيلته للتلاقي بين المحبوبين وبثهما لبعضهما البعض ما كانا يحسّان به، ونقف من ذلك عند القسم الرابع حيث يقول:

((بحت بسري وحكيت لغزالي/ عن كل ما لقيتو فعذاب الشوق هول ما تقوى ليه جبال

ولا تقوى لي عيس فحمالي/ حملي ثقيل ما دالي فشغابو عديم حالي ما لو تمثال

غير نداري الاحزان ونلالي/ فلظاك يا ترى مكوية مثلي عليك عيدي لي بالتفصال

عن حالك يا مصباح الغوالي/ فجواب ديها قالت يا العشيق حالنا يغني علسآل

كيف جرى ليك كذلك جرى لي/ أنت غريب فرسامك واناي مغربة  عن رسمي والآل

ما فغربتي إنسان يرثى لي/ إلا خيال طيفك ديما نرعاه في منامي ما ليه بدال.))

وقد دون الشاعر الشيخ أحمد بدناوي سنة (1995) بما أنها سنة كتابته لهذا النص الشعري، ويتضح بقراءة النص أن من الممكن إدراجه ضمن "قصائد العشاقي"، أي ضمن غرض الغزل. لكنه، ما دام يتناول موضوعة البعاد بين الحبيبين، ويصور معاناتهما، وبالتالي ما دام يشير إلى مشكلة الغربة التي تقاسها المحبوبة في بلاد المهجر، ويكابدها العشيق في وطنه، فإننا نلفي أنفسنا أمام موضوع يجمع بين القديم ( فقد سلف للشعراء الشيوخ أن تحدثوا في قصائدهم عن هذا الموضوع، وبطرق فنية غاية في الإبداع، وأحيل في هذا الإطار على قصيدة "المرسول" للغرابلي )، وبين الجديد ( من حيث إن الغربة المتحدث عنها في قصيدة أحمد بدناوي هي غربة في بلاد أجنبية ). وهذا الموضوع نجد الشاعر متناولا إياه في قصيدة أخرى، اتخذ لها عنوانا لفظة (( غربة ))، وقد كتبها سنة ( 1999)، مستعملا فيها ضمير المتكلم المفرد، وسائرا فيها على النهج الذي ابتدعه الشيخ الجيلالي امثيرد، إذ مما يقوله في القسم الأول:

(( فحضان "السين" صاحت من البين/الروح شاكية والعين/الحباب فين

المزار بعيد والوصال ضنين/وانا غريب

الهم كوام والهوال طميم/الشواق ضارمة فصميم/غصة وضيم

الغيوم تزيد خاطري تعتيم/شمسو تغيب...))

ولعل مجموع القصائد، التي تمكنا من التوفر عليها، والتي يكاد يبلغ عددها ما يناهز العشرين قصيدة، تبرز كيف أن الشاعر الشيخ أحمد بدناوي يجمع في تجربته الشعرية بين السير على خطى أسلافه من حيث تناوله للعديد من الأغراض التي سلف لهم أن تناولوها وعالجوها في قصائدهم، وعلى رأسها أغراض متوارثة كــ( الغزل=العشاقي ، والمدح= مدح خير البرية صلى الله عليه وسلم، ومدح أهل السلطة وأهل الملحون من موسيقيين وباحثين، والهجاء= الشحط ، والفخر= وهو فخر بالوطن، إذ نلفيه قد خصص بعض قصائده للتغني بالمغرب وبمناسباته الوطنية، كما وهب مدينته الحمراء قصائد تتغنى بها وبما لها من المميزات والخصائص العمرانية والحضارية، وكذلك تعرض للقضايا القومية والأحداث الاجتماعية والكوارث الطبيعية التي عرفتها الأمة العربية والشعب المغربي...)، وبين السعي الجاد والواعي من أجل التجديد على مستوى اللغة معاجم وأساليب، صورا فنية، أغراضا وموضوعات. ويمكن التأكيد على أن بدناوي يستغل التداخل بين الفنون الأدبية لمعالجة موضوعاته، إذ ما نكف عن قراءة نصوصه الشعرية باعتبارها امتزاجا بين النزوع الغنائي والنزوع السردي. ويمكن التمثيل لذلك بقصيدتين من إبداعه حملتا العنوانين التاليين: "بائع الأخلاق" و"بستان الشعراء"، ومن تأريخه لهما يتضح أنه كتب الأولى منهما سنة (1998) ، وأنه كتب الثانية سنة (2005). وإذا كان قد اتخذ من القصيدة الأولى مجالا للحديث عن الواقع الوطني والقومي، وانتقاد العديد من الظواهر الاجتماعية، فقد استند في تأليفه إياها على الرواية التي كان قد أبدعها الكاتب المصري يوسف السباعي، في الأربعينيات من القرن الماضي، تحت عنوان: "أرض النفاق". فإنه في النص الثاني قد عمل على الاحتفاء والاحتفال بالشعراء الشيوخ، الذين رأى أنهم يستحقون ذلك، لأنهم كانوا مؤثرين في ذائقته الشعرية. إذ يقول في اللازمة وفي القسمين الأول والثاني من الأقسام الثلاثين:

(( مايتي وبياتي موهوبة/

لرباب الفن هل القول الصافي ترتيبو/ رصاع التذهيب.

 بستان من عبير كمامو الهوى يهيب/

لنسام من رحيق زهارو ذابو/

بالمدح والوصف عقابو/

عاشق ومعشوق صطابو/

في حضانو عرصة مخصوبة/

والغاني بالاشواق يهدي قمصال حبيبو/

فايق كل عذيب.

 ديوان حافل وزاهر بسراروعجيب/

بجواهر النظام الغالي مخصوب/

والذهب توريقو مصبوب/

فلوان مبيت مشبوب/

تراجم السوسي جات عجوبة/

ولمكسور الجناح طيب وسلوى فطوريبو/

يفجي كل طريب)).

ولقد خصص الأقسام الموالية للاحتفاء بأسماء الشعراء الشيوخ: ابن حساين، عمارة، بوعمرو، إدريس المريني، المغراوي، المصمودي، الجيلالي امثيرد، النجار، بن علي ولد ارزين، ابن سليمان، عبد القادر العلمي، الحراق، المدغري، إدريس بن علي، ابن الصغير الصويري، عباس بن بوستة،الشاوي، المدني التركماني،ابن عطية، امريفق، بن عمر الملحوني، بلكبير، سهوم. وإذا كان قد خص أغلبية هؤلاء الشعراء الشيوخ بقسم لكل واحد منهم، فإنه قد احتفى من خلال قسمين بكل واحد من الشاعرين الشيخين الجيلالي امثيرد وابن سليمان، فمثلا يقول عن امثيرد في القسمين التاسع والعاشر:

((ساطان فوق عرش مقامو نادى خطيب/

يا خاطب لشعار تفادى لخطوب/

كان جبحك خالي منضوب/

عود لاتتلى منكوب/

باللسان الدعوى معيوبة/

والراغب فالنظام لا بد من تشديبو/

وشروط التهديب.

هاذي وصايتو وسمو عنك ما يغيب/

عبد الجليل فالبهجة تصطابو/

صادح المغنى شبابو/

فالنظام علا مرتابو/

كل رتبة دونو مرسوبة/

سلطان القول والمعاني والاه ربيبو/

علشعار نقيب.))

أما الشاعر الشيخ أحمد سهوم فقد خصه بالقسم الخامس والعشرين قائلا عنه:

(( والخير ما خطاش وقتنا ذكرو وجيب/

سهوم ما خفا فشمال وجنوب/

غرب شرق كلامو مرغوب/

فكل حي وحارة ودروب/

والنفوس بفنو مجلوبة/

منبر فياض من كنوز التراث خطيبو/

فايز بالتبويب.))

وعلى عادة الشعراء الشيوخ فقد جاء بالأقسام الأخيرة من أجل أن يضمنها ما يسمى عندهم "الزرب"، وبغاية أن يوقع فيها بإمضائه ليعلن ملكيته لهذا النص ومسؤوليته عما ورد فيه من كلام. ولأنه افتخر بأشياخه الذين تتلمذ عليهم في الأقسام السابقة، فقد جاء بالقسم التاسع والعشرين للفخر بالوطن المغربي: ((تاريخ غربنا ومجادو صرحو مهيب))، وقد قال في القسمين الثامن والعشرين والثلاثين مفتخرا بنفسه وموقعا باسمه، ثم محييا من سماهم أعلام التطريب :

((وصفات حلتي بحكمتو من دون ريب/

ولغيت كل داعي صمت جوابو/

 ما يلي رغبة فسبابو/

 حالتو تكفيه عيابو/

سيرتو بالغفلة مجروبة/

عامي مطموس فالمحافل دايم تغيييبو/

ما يحظى بطليب.

(...)واسمي في حساب أبجد عد الحسيب/

بالرمز صيغة المعنى تركابو/

نون جيم كفات حسابو/

 ساقط الدعوى فنصابو/

لاغية فحكامو مشجوبة/

تايب لله من شروق نهاري لمغيبو/

هو لي حسيب/

والسلام نسامو ملهوبة/

 من قلب شداه سابق المعنى من توتيبو/

لاعلام التطريب/

من صداهم الروح طروبة/

فالملكوت سابحة نشوانة فرحيبو/

تتخشع وتنيب.))

مراكش: 20/03/2011

مراجع ومصادر:

1ــ الأستاذ محمد الفاسي: )( وحي البينة)( ــ دار الكتاب ــ 1970.

2ــ الأستاذ محمد الفاسي: )(معلمة الملحون)( ــ أكاديمية المملكة المغربية ــ ط 1ــ 1992.

3ــ الدكتور عباس الجراري: )(الزجل في المغرب ــ القصيدة)( ــ مطبعة الأمنية الرباط ــ ط1ــ  مارس 1970.

4ــ الحاج أحمد سهوم: )(الملحون المغربي)( ــ منشورات"شؤون جماعية" ــ ط 2 ــ دجنبر 1993.

5_ Fouad Guessous: ((Anthologie de la poésie du Melhoun marocain)) _2008

6_ جمعية هواة الملحون ومنتدى ابن تاشفين: ((شعر الملحون بين ثقافتين: العالمة والشعبية)) ــ  ط 2 ــ 2007.

7_ محمد النميلة: ((صيحة القلب)) ديوان زجلي "شعر ملحون"_ ط1 _ 2009.

8_ أحمد بدناوي: مجموعة قصائد مرقونة، تمتد على مدى التسعينيات من القرن الماضي وإلى 2011.


أضف تعليقك على المقال

اضغط على الرابط التالي

Retour à l'accueil

كلمة رئيس الجمعيـة

مكتــــب الجمعيــــة

أنشطـــــــة الجمعيــة 

أمسيــــــات الجمعـــة

جــــــــوق الجمعيــــة

شعـــــراء الجمعـــــية

شيــــــــوخ الجمعيــة

أعضـــــاء الجمعيــة

    

الأعضاء المؤسسون لجمعية هواة الملحون

مصطلحات الملحون  
لـَهْفـَانْ :  الكثير العطش
يقول االشيخ الجلالي في قصيدته حب احبيب الرحمن

فَصْلاَتُ يَا انْسَـــــانْ   *     كَتَّرْ جَهْرْ وُكَتْمَــــانْ
 بِهَا اِدَهْبْ الشَّيْطَانْ    *    غَاضَبْ نَاكَدْ مَمْحُونْ

 

هِيَّ شُرْبْ الـَّهْفَـــانْ    *    هِيَّ كَنْزْ الأَّحْقَــــــانْ
هِيَّ الْفَرْحْ وُ سَلْوَانْ    *   هِيَّ الرَّحَا وَسْكــُـونْ

شريط الصور

الملحون بأصوات نسائية

فن السْرَارَبْ

الملحون بأصوات جزائرية

استمع لقصائد الملحون بأصوات جزائرية

من ذكريات جمعية هواة الملحون بمراكش 

لقاء تلفزيوني مع جمعية هواة الملحون سنة 1967 

 

نقاش حول قصيدة الطير للشيخ الجيلالي امتيرد / امسية الجمعة

اتصل بنــــا

تصميم الموقع

اقترح الموقع على صديق

Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus - Articles les plus commentés