الملحون والزجل أية علاقة؟

Publié le par جمعية هواة الملحون

الملحون والزجل أية علاقة؟

الأستاذ ادريس رحمون

 

هذا المقال تم نشره من طرف جمعية هواة الملحون بمراكش
من خلال الكتاب الذي ألف بمناسبة تكريم الأستاذ عبد الله الشليح
وجميع حقوق النشر محفوظة للجمعية

 

1 - إن لفظ "زجل" شاع في المغرب للشعر المجرد من الإعراب، والحقيقة غير ذلك، فلفظ  "زجل"يطلق على الشعر المعرب وعلى الشعر المجرد من الإعراب بما في ذلك شعر الملحون وكلمات العيطة الشعبية والطقطوقة الجبلية وكذلك الشعر الأمازيغي. وبالتالي فإن كلمة "زجل" تطلق على أية جملة ينطق بها الإنسان دون أن تكون مقيدة بقافية أو خاضعة لأي وزن من أوزان الشعر. وذلك من خلال ما وقفت عليه بخصوص تفسير كلمة "زجل" حيث نقول زجل الحمام أي ارسلها إلى بعد، فهي حمام الزاجل أو الزجال، ونقول زجله بالرمح أي رشقه بها، كما أن كلمة "زجل" تفيد الطرب والتغني بالصوت، وبالتالي فإن كلمة زجل معناها: رمى بالشيء أو أرسله.

وعليه فإذا كانت كلمة "زجل" تفيد الإرسال أو الرمي بواسطة أشياء من طرف إنسان صوب مكان معين، فإن من بين هذه الأشياء يمكن أن تكون كلمات يرسلها الإنسان عبر دبدباته الصوتية لتصل إلى أذن إنسان إما أن يشنف أسماعه فيحصل الطرب كشعر المديح والغزل ووصف الطبيعة. وإما أن تكون هذه الكلمات مخدشة للأسماع  وللمشاعر فيحصل الإشمئزاز كالشعر الهجائي مثلا. 

ففي هذا السياق الأخير الذكر والمخدش للأسماع والمشاعر أترك مرادف كلمة "زجل" محصورا في -رشق- واستدل بالحديث الشريف الذي قال فيه رسول الله (ص) لحسان ابن ثابت: اهج المشركين ياحسان فإنه أشق عليهم من رشق النبال. ولما هجا حسان ابن تابت الحارث المُرِّي - جاء هذا الأخير يستغيث برسول الله(ص) وقال له يا محمد أجرني من لسان حسان، فو الله لو وضعه على شعر لحلقه ولو وضعه على حجر لفلقه. 

أما عندما تكون الكلمة مشنفة للأسماع، فهنا أترك مرادف لفظ –"زجل"- محصورا في: أطرب وتغنى واجلب بصوته- واستدل بالحديث الشريف الذي استهل به ابن كثير تفسيره لسورة الأنعام حيث قال: قال رسول الله (ص)نزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة وشيعها ألفا من الملائكة لهم "زجل" بالتسبيح والتحميد(أي صوت رفيع عال). وقد دكر الدكتور عباس الجراري في كتابه –القصيدة- إثر تعريفه لنوبات الموسيقى الأندلسية الإحدى عشرة:إن نوبة الإصبهان نغمته حادة رقيقة حلوة"ويقال أن ملائكة الرحمان يسبحون بهذه النغمة" أي نغمة الاصبهان. 

كما يقال سحاب ذو "زجل"، أي ذو رعد، ولقائل أن يقول أن هناك تناقضا بين "زجل" الملائكة الذي يطرب وبين "زجل" الرعد الذي يرعب، مع العلم أن كليهما يسبحان لله عز وجل الذي يقول في محكم تنزيله: وان من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحهم- صدق الله العظيم.

حقا أن "زجل" الرعد يرعب، ولكن بعده على التو تأتي رحمة الله بنزول االغيث فتطمإن القلوب وتطرب الأرواح والنفوس، وكم يعجبني في هذا السياق قول الشاعر الصوفي سيدي عبد القادر العلمي في قصيدته الملحونة-المولى بالحب أولى- حيث يقول في إحدى أقسامها:

مَنْ لَازْمْ الرّْضَى وَطْلَبْ لاَبُدُّيْصِيبْ

واللِّي بْغَا يْغِيضْ احْسُودُو

اتْبَعْ بَالْمْهَلْ مَقْصُودُو

حَتَّى يَنْكْمَلْ مَعْدُودُو

مَانَالْ حَدّْ مُرَادْ

الَّا بْتَعْبْ وَطْرَادْ

صَوْتْ الرّْعَدْ يَتْرَكْ لَقْلُوبْ ارْهِيبَا

بَعْدْ اهْدِيرْ اَلْغَاهْ

ينبْشَر بَالْغِيثْ امْنَ اوْرَاهْ

وعليه فإن كلمة "زجل" تطلق على جميع أنواع الشعر بغض النظر عن لغته ولهجته وعن شكله ومضمونه.

 

 


2- لم يخلف لنا التاريخ  أي شيء نعتمد عليه لإبراز حركة الزجل الشعبي بالمغرب باستثناء بعض الإشارات هنا و هناك  من خلالها يمكن القول أن نشأة الزجل بالمغرب هو امتداد للموشحات الأندلسية، لاسيما و أن الأندلس عاشت في وحدة مع المغرب الأقصى طوال عهدي المرابطين والموحدين حيت ظهرت أسماء زجالين أمثال  ابوبكر ابن قزمان و ميمون بن علي بن عبد الحق المعروف بابن خبازة و عبد الحق ابن سبعين السبتي و الحسن الششتري و غيرهم وقد كانت ازجال هؤلاء في بادئ الأمر معربة الشى الذي جعلها لم تحظ باقبال كبير إلا من طرف الطبقة المتعلمة أي المثقفة وهم قلة أنذاك الشى الذي اضطرهم الي كتابة أزجالهم مزنمة[1] بدل تعريبها بالكامل حتى يقبلوا عليها عامة الناس، لاسيما و ان الدولة الموحدية كانت تبتعد عن التقليد الأندلسي  و إيجاد كيان خاص بها يعبر عن شخصيتها وثقافتها .

وقد ذكر الدكتور عباس الجراري في كتابه "الزجل في المغرب" - القصيدة- أن حكاية تقول في كتاب (العقيدة الأدبية في السبعة فنون المعنوية) لأحمد الرباطي أن أول من تناشد الزجل هو ابو بكر ابن قزمان المغربي، وقيل أنه لما كان في الكتاب وكان مراهق السن فدخل على شيخه الفقيه غلام جميل الصورة حسن الوجه حلو الجانب- فنده عليه ابن قزمان واجلسه بجواره تم صار يحييه بالسلام  ويوادده بالحديث فبصَّ الفقيه وعرف ما في ضمير ابن قزمان، وأمر العريف بضربه، فضرب العريف ابن قزمان فلما فرغ العريف من ضربه أخد ابن قزمان لوحه ومسك القلم وقد كتب هذا الوزن وهو أول أوزان ال"زجل":

 

الملاح اولاد امــــــاره         والوحاش اولاد نصاره

وابن قزمان جا بغفاره         ما قال له الشيخ غفــاره

 

فأخد الفقيه اللوح من يد ابن قزمان فرأى فيه ما تقدم ذكره، فقال الفقيه هجيتنا ياابن قزمان بكلام مزجول : يعني مقطع فسموه "زجل"[2]ا

ونجد في بداية القرن السابع الهجري الزجال الحسن الششتري وهو تلميذ ابن التسعين حيث كان يتجول بأزجاله في الأسواق[3] ويقول

 

 

اشويح من مكنــاس       وسط أسْواق إعنـــــي

آشْ عليا من الناـس       واش على الناس منـي

 

ومن خلال هذه الأبيات الأخيرة المضطربة الوزن يتضح لنا أن الزجل المغربي كان غير محكم بأوزان  وانه كان يقتصر على القصة وكان يستهل ب:كان حتى كان –إلى أن ظهر في بداية القرن التاسع الهجري بقبيلة أضرا بتفيلالت الزجال المبدع مولاي عبد الله بن احساين الذي وضع أول وزن لزجله وسماه قريض الملحون وذلك في قصيدته التي هي في مدح الرسول الكريم (ص) التي يقول في مطلعها:

 

نبدا باسم الله انظامي ياللي ابغا لـــــــــوزان    لوزان خير ليَّا انا من قول كان حتى كــــــان

ربي اللي الهمني نمدح جد اَلْشْراف يا لخوان   بالشعر السليس الفايز هو ايكون لي عـــــوان

حتى نقول ما قالوعشاق النبي فكل ازمـــــان   و نكون فالقريض الملحون انا المادحو حسان[4]

 

ومن خلال هذه المقدمة في القصيدة تتضح ماهية التطوير التي جاء بها الشاعر مولاي عبد الله بن حساين للزجل الذي أطلق عليه اسم قريض الملحون كما أشار إلى تاريخ نظم قصيدته هاته حيث يقول في نهاية أبياته

 

تاريخ حلتي - رخل - اعداد أزمانها فكل امكان      والقايلين كًاع امحضرا ونا فقيهم وزان

 

فنلاحظ أن الشاعر جعل لتاريخ قصيدته المذكورة رمز(ر خ ل) بحساب الجمل فالراء بمائتين و الخاء بستمائة و اللام بثلاثين. و مجموعها 830 فأصبح بهذا التاريخ الهجري تاريخ النهضة التي عرفها الزجل المغربي على يد هذا الشاعر المبدع الذي من المحتمل أن يكون هو أول من أطلق عن هذا ال"زجل" بعد تطويره "قريض الملحون" كما هو مبين في قصيدته المذكورة.

 

و اثر هذه النهضة التي عرفها الزجل المغربي من خلال التطوير الذي دعى اليه مولاي عبد الله بن حساين . انطلق في نفس المرحلة  شاعر من مراكش يعارض  هذا التجديد وينادي بثورة  على قيود الوزن و القافية و ضرورة التحرر منها، انه الشاعر ادريس المريني حيث رأى أن حرف القافية يخونه في التعبير و يتساءل عن إمكان إلغائه طالما أن الشعر كلمات تعبر عما يحسه الشاعر، ثم هو يستنكر حبس الفكر في القافية و تقييد العقل في الوزن مع أن الأفكار كالطيور لا ترضى أن تسجن في قفص الأبيات الشبيهة أسلاكه بالقوافي و ركائزه بالقياسات ، أي الأوزان [5] فيقول في قصيدته التي جاءت على شكل حر.

 

انا بغيت ننظم و الحرف ابدا يغور

اعلاه ما يكون الشعر ابلا حرف

غير حس  اقول الكلمات

اُلُذََنْ تسمع ما قلتي

القلوب اتغني بغناك

تابعا تلديد المعنات

الاعنات بشي قافيات

لاش نحبس فكري فالحرف

انحبس عقلي فالتبيت

الافكار اتماثل لطيور

ما رضات اقفز من لبيات

جايب اسلوكو من لحروف

و الركايز من لقياسات

 

و رغم كل هذا فان دعوة الشاعر ادريس المريني لم تلق اية استجابة. ومن تم برزت مدرسة الشاعر المبدع  مولاي عبد الله بن حساين التي تخرج منها شعراء كبار امثال : حماد الحمري – و بن عبود – وعبد العزيز المغراوي – والمصمودي، والذين ساهموا بدورهم في تطوير هذا الزجل الذي اصبح معروفا بالملحون، في حين بقي شعر المعترضين معروفا بالزجل

ورغم هذا الانقسام الذي احدتته هذه النهضة في الزجل فان بعض الزجالين المعاصرين لا زالوا يحنون الى شعر الملحون حيث نشم رائحة الملحون في ازجالهم وذلك من خلال استعمالهم لبعض بحوره و اخص بالذكر  الزجال الكبير الاستاذ احمد الطيب العلج اطال الله عمره الذي يقول في زجل له :

 

يا محمد يا شفيعنا الهادي يا حبيبي          لك النادي لا تدوزني اُكن معايا

 

فنلاحظ ان قياس هذا البيت الزجلي مستنبط من احد بحور الملحون وهو البحر المبيت لمثني و بالتالي فهو على قياس قصيدة في شعر الملحون للشاعر عبد الهادي بناني التي حربتها كالتالي

 

زوكًنا فحماك جود يا نور الهدى طه        يا بحر التعظيم و الهدى يا رسول الله

 

و نبقى مع الزجال الاستاد الطيب لعلج و لكن هذه المرة في كلمات لاغنية "ما انا الا بشر" التي يقول في مقدمة ابياتها :

 

ما انا الا بشـــــر     عندي قلب انظر 

وانت كلك خطـر     لاش تحقق فيــا

 

فنلاحظ هذه الاشطار هي الاخرى على قياس قصيدة : "حب حبيب الرحمان" للشاعر الفحل الجيلالي امتيرد الذي يقول في حربتها :

 

حب حبيب الرحمان      خلخلني يا لخــوان

واسقاني بالجريــان       امحلاه ابجرجــون

 

كما نجد في بداية القرن العشرين الميلادي الزجال بوجمعة الفروج رحمه الله الذي كان يكتب كلمات الأغاني للمطرب الحسين السلاوي رحمه الله على قياسات بحور الملحون حيث يقول في احداها :

 

استرني يا ستـــــار      اُمَنْ لَعْيُونْ اكبار

عين احاجب اشفار       لِّي شعلو فيا نار

 

فهذه الاشطار كذلك في بحر البيت الرباعي على قياس قصيدة حب حبيب الرحمان للشيخ الجيلالي امتيرد .

و على كل حال فان كلمة "زجل" تبقى هي القاسم المشترك بين جميع أنواع الشعر المعرب منه و الغير المعرب بما في ذلك شعر الملحون الذي اختص بهذا الاسم المشتق من كلمة "لحن" التي لها عدة مرادفات حيث تفيد الخطأ في الإعراب. كما تفيد النغم الموسيقي والتلحين و بالتالي فان كلمة لحن تفيد جوهر الكلام و فحواه و معناه.وهذا هو بيت القصيد.

وقد جاءت كلمة "لحن" في القران الكريم في سورة "محمد" حيث يقول عز من قائل   لرسوله الكريم أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله اضغانهم، ولو نشاء لأرينكهم فلعرفتهم بسيمهم، ولتعرفنهم في لحن القول، والله يعلم أعمالكم(صدق الله العظيم)

وقد جاء في تفسير ابن كثير لمفهوم- لحن القول في الآية الآنفة الذكر:أي فيما يبد من كلامهم(أي كلام المنافقين) الدال على مقاصدهم، حيث يفهم المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفحواه( وهو المراد من لحن القول).

كما جاءت كلمة لحن في الحديث الشريف الذي قال فيه رسول الله (ص): إنكم تقاضون إلي ولعل أحدكم قد يكون ألحن بحجته من أخيه فأقضى له، ومن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقضي له بقطعة من نار.

ومن خلال ما ذكر نستخلص أنه عندما يقال شعر الملحون معناه أنه الشعر المرموز أي المقنع الذي ينطوي على سر داخل معانيه، لأنه شعر صادر عن الفطنة، فيجب أن تتلقاه فطنة حتى يكون هناك تكافئ بين الملقي والمتلقي، كما يجب على هذا الأخير أن يكون متوفرا على رصيد لغوي للملحون حتى يسهل عليه فهمه مع الإشارة أن لغة الملحون هي لغة خاصة عربية حيث خصوصيتها تتجلى في رفضها لقواعد الإعراب، وكأني بها على لسان أعربي تقول:

 

ولست بنحوي يلوك لسانه             ولكنِّي سليقي أقول فأعرب

 

إن لغة الملحون تتميز بكل بلاغة العربية من استعارة وتشبيه وجناس وتضمين ولزوميات وكل ضرب البيان والبديع، وتعتبر ذات فن رفيع لا يعرف قيمتها إلا الدارسين والباحثين والمتذوقين.

إن لغة الملحون لتتفوق في بيانها على ما في العربية في الكثير من النماذج لأنها تتميز بلغة راقية لا تجري على ألسنة الناس في الشارع أو المنزل[6]

وعليه فإن شعر الملحون يعتبر أكثر صدقا في التعبير عن المشاعر الإنسانية والوطنية وعن الأوضاع الاجتماعية ولذلك يعتبر هو المرآة الدانية للمغاربة

وخلاصة القول أن هذا التراث  هو "زجل" في شعره ولكنه ملحون في مضمونه، وهذه ميزته الخصوصية.



[1] مزنم: شعر بعض أبياته معربة  وبعضها غير معربة

[2] القصيدة

[3]  القصيدة

 يقصد بحسان: حسان ابن ثابت شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم[4

 الابداع الشعبي للدكتور عباس الجيراري ص :82[5]

 

[6] مقال للأستاذ عبد الكريم غلاب بجريدة العلم عدد 15264 وتاريخ 20/05/1992.

 


أضف تعليقك على المقال
(اضغط على الرابط التالي):
ا

Publié dans مقالات

Commenter cet article